التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها


كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟
مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»


                                                     ترجمة محمد المزديوي





باريس: محمد المزديوي
مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة».
كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها.
هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، شهادة على الحيوية التي تميز الكتابة الأدبية العربية الفرانكوفونية، كما أنه دليل على أنه ثمة كُتب، بسبب جودتها العالية، يمكنها أن تخرج من شباك الحصار والإشهار الذي رافق رواية «ويلبيك» وجماعته. (بالفعل يُفاجَأ المرء حين دخوله إلى كل المكتبات الفرنسية بوجود كميات هائلة من رواية «ويلبيك» في أمكنة متعددة من كل مكتبة، وكأنه نوع من الإرهاب الفكري لإرغام الزبون على شراء الكِتاب). ولكن الأمر يتعلق، للأسف، بمجموعة صغيرة بالكاد يمكنها أن تقاوم بطريقتها الخاصة الآلة الجهنمية للنشر والماركتينغ الفاحش.
من عنوان الكتاب نعرف، بأن الكاتبة ستستعرض على القارئ، قائمة من الرجال الذين أثروا عليها، والذين جعلوها تعيش ما تعيشه الآن، من خلال المسيرة الطويلة التي يمكن لامرأة عربية أن تختزلها كي تصل إلى أن تكون طبيبة أولا، وكاتبة، ثانيا. نقرأ عن «جميل» العاشق، «أمير بشير»، «شالس»، «جون لويس»، «سعيد» و«مصطفى»، وهم مجموعة شخوص كتابية (من ورق) لكنها، في نفس الآن تمتلك وجودا واقعيا. وإذنْ فإنّ كتابة «مليكة مقدم»، ذاتيةٌ بل وموغلة فيها إلى درجة اقتباس مقولة لـ «فيليب لوجون» Phillipe Lejeune الشهيرة «كل كتابة هي، بالضرورة، كتابة أوتوبيوغرافية بامتياز». يبدو كتابها الجديد، «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ» وكأنه يستكمل ما انتهتْ إليه في نصوصها السابقة، وخصوصا في روايتها الناجحة الأخيرة: «المتمردة» La transe des insoumis، بل إنها تذهب إلى ما هو أبعد من حيث التصريح بحقها في الحبّ في مجتمع إسلامي محافظ، من خلال سردٍ «محتشم» لمختلف المحطات التي قادتها إلى مختلف تجليات الحبّ والحياة.
تنتهي روايتها «المتمردة» على هذا الشكل:
«لحظة الوداع طفق أبي يبكي» لا أعرف ما إذا كُنتُ سأراك، يا ابنتي، إذنْ فسامحيني واصفحي عني. بَرَكَتي تُرافقك. «صوتُ بنتٍ شرّيرةٍ يرنُّ في داخلي: هذه الأشياء لا تُلْفَظُ إلا حين يكون كل شيء قد ضاع.!» منصعقةً، أجلسُ القرفصاء لبعض الوقت وآخذ بوجه أبي بين يديّ، وأُقبِّلُ دُموعَهُ في أقصى أطراف عينيه، وأسرع بالخروج. الصفحُ، هذه الكلمة ليس لها إلا معنى واحد، وهو أن أبي سيستسلمُ للنوم الأخير، ولنْ أكونَ هنا لآخذ بيده، ولأُغلقَ عينيه (ص254، رواية «المتمردة»، ترجمة محمد المزديوي،المركز الثقافي العربي، بيروت 2004).
في تصدير الكتاب الجديد، الصادر عن (دار جراسيه)، تعود المؤلفةُ إلى الحديث عن أبيها، كي تفسر للقارئ، أخيرا استعادتها لحريتها، وبالتالي شعورها بالحرية: «لقد غادرت أبي كي أتعلم أن أحبّ الرجال، هذه القارة العدوانية لأنها كانت مجهولة بالنسبة لي. وأنا مَدينةٌ لهُ في معرفتي كيف أنفصلُ عنهم. حتى حين أكون مُتيَّمَة بهم».
الكتاب سهل القراءة، ومما يُسهِّلُ الأمر، توزيعه على 16 فصلا بعناوين جذّابة ومغرية للقراءة، من بينها: «الغياب الأول» و«ذوق البلاد» و«الرَجُل الذي رأيته في صُوَري»، «بلا وداع»، «الرجل الذي لم يَعُدْ أبدا» و«الحب القادم»..
هذا الكتاب، الذي عرف نجاحا كبيرا، إلى درجة أنه نفد، أخيرا، من العديد من المكتبات الباريسية بعد ظهور الكاتبة في أحد البرامج الثقافية الفرنسية، يشي بأشياء كثيرة، من بينها أن الأدب الحقيقي له قراؤه والمعجبون به. ويَكشف ضمن ما يكشف بأن الأدب الحقيقي لا يكمُنُ إلا في التعبير عن الذات البشرية في تعقيدها وهشاشتها. أي أن الأدب الحقيقي لا يدَّعِي مُقاربة القضايا الكبرى، التي لا تصنع أدبا كبيرا، وإنما ينكبّ على الكائن وعلى تعقيدات حياته. باختصار على ما يُوحِّدُ ما بين الكاتب والقارئ.
نقتطف من «رجال أثروا عليّ» هذه الفقرة المعبرة، من فصل يحمل عنوان «من دون وداع»:
«غادرتُ الجزائر منذ ثلاث عشرة سنة، ولم أَعُدْ إليها. أنا لآن أستعد للسفر إلى الجزائر العاصمة، حيث سأتسلم جائزة أدبية. رافقني «جون لويس». وقد كانت العودة بالنسبة لي مستحيلة من دون التعريج على وهران. أي الوقت الكافي لمعانقة أصدقائي ولمعاودة رؤية مدينة أهوائي الممنوعة.
«فاطمة»، صديقتي الأكثر وفاء، انتظرتني في المطار. ضوء ما بعد ظهيرة هذا اليوم قاطعٌ. على صورة الانفعال. هذه الأمكنة مليئة بذكريات متناقضة.
فجأة أرى «نارين» وهي تعبُرُ الشارع بخطى كبيرة في اتجاهنا. كنتُ قد تعرفتُ إلى «نارين» بعد أشهر قليلة من انقطاع علاقتي بـ «سعيد».كانت تدرس الاقتصاد في مدينة «غرونوبل». وأنا أيضا كنت طالبة في وهران. لقد كان هو الشخص الذي هربتُ منه حين توجهتُ إلى باريس. حاولتْ «نارين» عبثا أن تحدثني في الهاتف في المستشفى. كنتُ قد أخبرتُ الكلّ بأني لست موجودة. وعلامة على يأسها من الاتصال بي أرسلت لي برقية تقول فيها: «لازم تَصلين يوم 16 حزيران». كنتُ قد غادرتُ وهران في اتجاه باريس يوم 15، وكان هذا سنة 1977.
هجرتُ رجلاً من دون أن أقول له وداعا. تركتُ أرضاً من دون ندم. لم أترك خلفي أي كلمة، ولا أي عنوان أو أي هاتف كي يتم الاتصال بي. كُنت لا أزال أجهل أنني غادرتُ لِعُقود. كنتُ فقط محتاجةً إلى أن أَفِرَّ بِجِلْدي، بكل ما تحمل الكلمة من معنى».

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...