التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمبرتو إيكو الحاضر، دائما


جديد مجلَّتَيْ «فيلوسوفي» و«ليتيرير»..اهتمام بكل أشكال الثقافة والمعرفة
باريس - محمد المزديوي :  تواصل مجلة «فيلوسوفي ماغازين» انغراسها في المشهد الثقافي والفكري الفرنسي، من حيث تبسيطها للقضايا والمواضيع الفلسفية وأيضاً انفتاحها على كل أنشطة الحياة وجعل الفلسفة تُفكر كُلَّ هذه المواضيع. وقد انصب هذا العدد على موضوع «الشجاعة اليوم»، كما كرّست ملفاً خاصاً عن جان جاك روسو (متوحش في قرن الأنوار)، من تقديم المفكر البلغاري الفرنسي تزيفيتان تودوروف. ويتضمن أيضاً مقالات وحوارات شيِّقة تجعل من قراءة هذا العدد فرصة للاطلاع على غير ما موضوع. المجلة تحاور المفكر التونسي عبدالوهاب المؤدب بخصوص موضوع «السعادة». والموضوع يكشف أن المفكر الفرنسي التونسي الذي انفتح على التراث الصوفي منذ سنوات السبعينيات لا يزال يجد فيه أجوبة -أو هكذا يتصور- على أسئلة الحاضر المعقّدة والمتنوعة. وفيه نقرأ ما يراه المؤدب من كون «التصوف هو، من دون شك، الموضع الذي يقترب فيه الإسلام من البوذية. بل وترتسم فيه نفسُ الفكرة عن السعادة». ولكن المفكر يحاول جاهداً على أخذ فكرة الخمرة الإلهية بالمعنى الشائع للكلمة، وليس ببعدها الروحاني المتسامي. «التفاني، بشكل كلي، في الخمرة، في هذا الشيء المُحرَّم مثل سرّ، يا لها من جرأة استثنائية. الاستيقاظ بفضل الثمالة. إنه كما لو أن المحرَّم يفتح فضاء ما هو سرّيّ، مصدر السعادة واليقظة». ويرى المؤدب أن «كلمة السعادة تقترب من الشكل الفعلي «ساعد»، و «قدّم المساعدة»، ومن هنا فإن السعادة ليست تجربة فردية».
أما في ما يخص «ماغازين ليتيرير»، التي جاء ملفها عن الكاتب النمساوي «ستيفان سفيغ» -الذي انتحر بمعية زوجته سنة 1942 في البرازيل- وكان الموضوع عن «الكاتب إزاء الفوضى»، فتضمن عددها مقالات ومواضيع وقراءات عديدة، فقد تميزت بإجراء حوار شيّق مع الروائي الإيطالي الكبير أنطونيو طابوكي، وعنونته «الكتابة هي حيوان متوحّش».
نقرأ فيه: «السؤال الأبدي: لماذا نكتب؟ أعتقد أن كل الكتب التي كتبناها تمتلك، في واقع الأمر، وبصيغة ما، طموح تدجين الموت. نحن نكتبُ ربما لأننا نخشى الموت. لكننا نستطيع أيضا أن نقول إننا نكتب لأننا نخشى الحياة، وهذا مقبول. الخوفُ هو شيءٌ ما يهيمن على الكتابة، إنه الجوهرُ الذي يُشغّل محرّك الكتابة».
ونقرأ أيضا: «ميلان كونديرا كتب نصوصاً رائعة عما يمكن تسميته الرواية الحديثة. وهو يقول، ضمن أشياء أخرى، إن إحساس الزمن الذي كان يحدد الرواية التقليدية مختلف تماماً عن إحساس الزمن الذي يحدد الرواية الحديثة. الرواية الحديثة يمكن أن تتشكل من مقاطع ومن نُبَذ وأحبّ كثيراً بُعْد المحكي القصير، والقصة القصيرة. إنه ميزان موسيقي مختلف كلية عن الرواية، لأن كاتب القصة القصيرة، كما يقول خوليو كورتثار، «يعرف أن الزمن ليس صديقَهُ». إن كتابة قصة قصيرة تشبه (في الشعر) كتابة قصيدة عن الفروسية أو نشيدة. إذا ما تركتم قصة قصيرة غير منتهية وأردتم مواصلتها بعد ستة أشهر ستلاحظون أن الأمر غير ممكن. أما الرواية فتنتظركم، إنها صبورة. يمكنكم أن تتركوها وتذهبوا إلى نهاية العالم وتعودوا بعد سنة فتجدونها تنتظركم دائما بفائق الصبر. إنها بيتكم وهي في متناولكم. أما القصة القصيرة فهي شقّة مستأجرة. فإذا أهملتموها من دون سابق إخبار فإن المالك سيقول لكم حال عودتكم: «آسف، يحتلها الآن شخص آخر».
ومن المعروف أن طابوكي يتقن اللغة البرتغالية ويترجم عنها كثيرا من النصوص ويكتب فيها بصفة مباشرة كما أنه ترجم العديد من نصوص البرتغالي فيرناندو بيسوا، وعنه يقول: «إني مفتتن من كون بيسوا استخدم الشكل الروائي في شعره. وهو ينجح في أن يجعل من شعره روايات. وهذا الأمر صعب جدا. نعم إن اكتشاف حداثة مسرحية واضحة جدا في قصيدة كُتِبت في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، يثير افتتاني. إن بيسوا هو نظير الكوميديا البشرية في الشعر: البناء والمعمار ينتميان للرواية وللفكرة الروائية».
وعن التأثير الكبير لبيسوا عليه يجيب: «كل شيء يؤثر عليّ. يدهشني قول بعض الكتّاب حين يزعمون: «لم يُؤثّر عليّ أحد. أنا أصيل بشكل كامل. أعتقد، كما يقول فيليب روث، أن كاتباً جيداً يسرق، بينما الكاتب الرديء يقلّد». إن الكاتب، في حقيقة الأمر، سارقٌ باستمرار، إنه يسرق الحقيقة ويسرق قصص الآخرين. إنه متلصص ومسترق للسمع... إنه يسرق ويهضم ويعيد النقل. إنه نَهِمٌ».
وتطرق الحوار للجدل الذي ثار بينه وبين أمبرتو إيكو عن دور المثقف، فيقول: «لم يتعلق الأمر بسجال. في بداية البيرلوسكونية كتب إيكو مقالا صحافيا يدعو فيه المثقف إلى التزام الصمت، ورأى أنه يوجد لغطٌ كبير وأن الكثير من الناس يطلقون الكلام. وأضاف أن المثقفين يظهرون عنجهية حين يطالبون بحق أن يعرفوا فوق ما هو ظاهر. واستخدَمَ هذا المجازَ: المثقف مواطنٌ مثل الآخرين، وإذا ما احترقت شقته فمن واجبه أن يستدعي رجال المطافئ مثل غيره من المواطنين. ولكني أجبته بأنه إذا احترقت شقتي فبالطبع سأستدعي رجال المطافئ ولكني سأحاول معرفة إن كان الحادث بسبب تماس كهربائي أم بسبب قنبلة حارقة. وأعتقد أن دور المثقف هو أن يعرف أكثر مما تقوله السلطات».
طابوكي روائيّ، ولكنه يترجم الشّعر. «لقد ترجمتُ بيسوّا، ولكني ترجمتُ أيضا إيميلي ديكنسون وبعض قصائد رامبو لم أنشرها بعد وأحتفظ بها في إحدى الرفوف.. أنا قارئٌ كبيرٌ للشعر، ولكن كتابتي لا تنتمي إلى هذا العالَم. وأنا عاجز عن كتابة الشعر. وفيما يخصني فإن ترجمة الشعر هي تمرين يقترب من التقليد أكثر مما هو إعادة خلق. إن ترجمةَ شُعراء هو الانهماك في محاولات عشق».
ولا يفوت طابوكي أن يُقدّم نصيحته للكتّاب الشباب: «نصيحتي الوحيدة للكتاب الشباب: إذا يوجد نجّار على مقربة من بيتكم، فمرّوا عليه مساءً قبل أن يغلق دكانه وانظروا إلى أرضية دكانه...».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...