التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن نجمي مُترجِماً



طباعة
صوفيا دي ميللّو أندريسن
الكاتب المغربي محمد المزديوي يقربنا من الترجمة العربية التي أنجزها الشاعر المغربي حسن نجمي للشاعرة البرتغالية صوفيا دي ميللّو أندريسن

الكثير منا لا يعرف عن البرتغال سوى الكاتب العظيم فيرناندو بيسوا وكآباته ولا طمأنينته (وقد صدرت الترجمة العربية الجميلة لها منذ فترة بفضل مجهود استثنائي للشاعر المغربي الكبير المهدي أخريف) ... وها هو الشاعر المغربي المعروف حسن نجمي يقدم لنا ترجمة جميلة(من اللغة الفرنسية، حيث إن الفرنسي ميشال شانديني ترجمه من البرتغالية) لديوان للشاعرة البرتغالية الكبيرة صوفيا دي ميللّو أندريسن، بعنوان: « عراء الحياة»، وهو صادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع،مما يساعد القارئء العربي على الانفتاح على الثقافة البرتغالية وتوسيع آفاق القراءة.
والشاعرة ولدت سنة 1919 في بورتو، من عائلة أرستقراطية، وقد ورثت اسمها عن جد دانماركي جنح زورقه صدفة في مياه البرتغال. وقد تابعت دراسات في فقه اللغة الكلاسيكية في جامعة لشبونة للآداب. وقد نشرت، على حسابها الخاص، أول مجموعة شعرية لها سنة 1944.
 
وقد كتبت الشاعرة نصوصا أخرى في القصة القصيرة وحكايات للأطفال كما للبالغين. وقد حصلت الشاعرة على كل الجوائز الهامة بما فيها جائزة كامويش وذلك سنة 1999. وامتد نشاطها إلى الترجمة حيث ترجمت إلى اللغة البرتغالية العديد من الكتاب العالميين ومن بينهم شكسبير ودانتي وبول كلوديل.
والمعروف عن الشاعرة توجهاتها اليسارية، في بلد يميني ومحافظ كالبرتغال، فقد أسست «اللجنة الوطنية لمآزرة المعتقلين السياسيين» وتم انتخابها نائبة برلمانية عن الحزب الاشتراكي البرتغالي سنة 1975. وكانت حاضرة في كل النضالات من أجل إرساء الديموقراطية في بلدها.
 
وقد ابتدأ المترجم حسن نجمي بتقديم ممتع عن البرتغال وعن رموز الأدب البرتغاليين، الأموات منهم والأحياء، وخصوصا ساراماغو والشاعر نونو جوديس(أهم شعراء جيله) والشاعرة ماريا أندريسن(ابنة الشاعرة صوفيا دي ميللّو براينر أندريسن). كما أنه مقدمته الجميلة طالت العديد من المواضيع التي تخص الشعر والترجمة...
نقرأ: « (...) لا معنى للحديث عن «ترجمة أمينة». إن « الأمانة» التي يلوح بها بعض التقليديين شعارا ضد حريّة التحويل في الترجمة وحداثة رؤيتها ( نموذج علي اللواتي الذي هاجم مرة أدونيس بخصوص ترجمة سان جون بيرس) ليست إلا اسما آخر يطلق على نقص يرفض ذكر اسمه الحقيقي، تقليدانية التعبير والرؤية.»
 
ويذهب بنا الشاعر والمترجم حسن نجمي إلى فكرة هامة(ولو أنه لا يجزم بالأمر، فهي تظل فكرة قابلة للنقاش) قد لا يقر بها الجميع، وخصوصا من يشتغل بالترجمة. فهو يكتب: «يبدو لي أن أحسن الترجمات للشعر، لو قمنا بفحص تفصيلي شامل لبعض نماذجها في اللغات الإنسانية، كانت دائما – وفي الغالب الأعم – هي تلك التي أنجزها شعراء أقدموا على ترجمة شعراء آخرين أحبُّوا شعرهم ودخلوا معه في صحبة وعشق متبادلين. وذلك بالأخص، حين يقدم الشاعر على الترجمة، لا من باب التخصص بالضرورة، وإنما من باب الإحساس بالمتعة الشخصية، متعة أن يورّط مشروعه الشعري في مشاريع شعرية أخرى ليتعلم شعريا... وليندسّ أكثر في مياه اللغة الأخرى، ومتعة أن يشرك الآخرين معه في ضوء صغير يود أن يستبطنه. والنتيجة في النهاية أن مغامرة الترجمة تظل إحدى أجمل المغامرات الأدبية المنتجة الخلاقة.»
الديوان يعجّ بالقصائد الجميلة، والتي حرص الشاعر والمترجم حسن نجمي على تشكيلها خوفاً من قراءة قد تذهَبُ بمعناها أو تفسدها...
 
يخرج القارئ بالفعل بمتعة كبيرة، خصوصا وأن الكتاب هو مختارات من أعمال عديدة للشاعرة، وهو ما يمنحنا فكرة ما عن تطور مسارها الشعري... وليس من المبالغة الاعتراف أن الشاعر والمترجم حسن نجمي قد بذل مجهودا كبيرا في اختيار المفردة الملائمة في المكان الملائم. وهو ما يُذكّر أصلا بكتابته الشعرية حيث تنضح مجموعاته الشعرية، وعلى الخصوص مجموعة «المستحمّات»، بعبق الأناقة الشعرية والاشتغال العميق إلى جانب الموهبة الكبيرة التي صقلتها القراءات اللامتناهية والمتنوعة للشاعر.
الترجمة خيانة، ولكنها من النوع الرائع والباذخ والجميل. أو كما كتب المترجم: « طوبى لمن يخون خيانة كهذه. إنه أكثر وفاء من غيره.»
وهذه نماذج من شعرها الذي يقول عنه المترجم: « الإنسان هو معيار القصيدة العضوي ومرتكزها، هو منطلقها وموئلها.»

من قصيدة « الجندي الميت»
السماواتُ اللانهائية تحدق في وجهه
المطلق والأعمى
وهواءُ البحر يدغدغ الآن فمهُ
الذي سوف لا يمنح لأحد قبلةً.
وما زالت له يدان خاويتان
من كل امتلاك، واندفاع، ووعد.
ومن كتفيه يلمع انتظار
يتوزع، متشظيا، في المساء.
والضوءُ، الساعات، الروابي
تتصرف مثل دمع حول وجهه
لأنه كان يلعب وكان قد شَرَدَ
وفي السماء كانت تعبُرُ طيور قليلة.

ومن قصيدة أخرى «سيرة»
كان لي أصدقاءٌ يموتون، أصدقاءٌ ظلوا يغادرونَ
آخرون كانوا يكسرون وجوههم باتجاه الزمن.
كنت أكره ما كان سهلا
وبحثتُ عن نفسي في الضوء، في البحر، في الريح.

ومن قصيدة جميلة جدا بعنوان «تحية لريكاردو ريّيس»، وتعني به الشاعر البرتغالي الأكبر فرناندو بيسوا، فهذا الشاعر اخترع لنفسه أكثر من سبعين اسما مستعارا اشتهر ببعضها، ومنها: ريكاردو ريّس، ألبيرو دي كامبوس، ألبيرطو كاييرو....، ننقل هذه المقاطع:

لا تظني، سيدتي، أن لا أحد كان،
مفقودا بسببنا ولا يمكنه أن يعود
ليعرض الزهرة
التي نرجئ أن نقطفها.
إن كل يوم يُمْنَحُ مرة واحدة لكِ
وفي الدائرة المغلقة للَّيل
ليس ثمة من شفقة
لمن يتردد.
فيما بعد سيكون الوقت متأخرا إن لم يكن قد فات
الوقت يمحو كل شيء إلا من هذا
الأثر الممتد الذي لا يمحى
والذي يُخلِّفه اللامعيشُ.
لا تثقي في الأجل الذي تتصرفين على ضوئه.
أبدا لن تستوقف ساعةُ التوقيت خطوتها
تلك التي تتقدم دائما
خطوتك.

وأخيرا ننهي هذه الأمثلة الشعرية بقصيدة قصيرة تحمل عنوان: «صباح يوليوز»، وقد كتبتها الشاعرة في يوليوز من سنة 1994
في ساحة البارون دي كوينتلا
في هذا الصباح المضبّ من يوليوز
حيث يسقط أحيانا مطرٌ خفيف وناعم
بين واجهات الزجاج أزهار الغرنوق والزوايا الخلفية
كل شيء يتبدى رسما متحركا:
أشخاصٌ يعْبُرون – شبّانا خفيفي الحركة مُبكِّرين
وقد غيّروا الزّغب كما لو عَبْرَ اللغة العفويةِ
للأنغام الغزلية المدينية.
 
عن العرب القطرية
 
 
كاتب ومترجم مغربي يقيم في باريس 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...