التخطي إلى المحتوى الرئيسي

Michel Houellebecq


ميشيل ويلبيك
مقاطع من رواية "احتمال جزيرة" ترجمة محمد المزديوي

ننشر هنا مقاطع من رواية "احتمال جزيرة" للكاتب الفرنسي ميشيل ويلبيك، التي صدرت عن دار الجمل 

ميشيل ويلبيك

قلتُ لها ملخّصا الحديث: " في واقع الأمر، عرفت في حياتي امرأتين هامتين: الأولى، وهي أنتِ، لا تحبّ الجنس بما يكفي. والثانية، إيستير، التي لا تحب الحبّ يما يكفي." هذه المرة ابتسمت ابتسامة واضحة، وقالت بصوت متغيّر، فيه مكرٌ وروح شبابية: " هذا صحيح... ليس لديك حظّ...".
 فكرت قليلا، ثم أضافت: "الرجال، في نهاية المطاف، ليسوا سعداء، أبداً، من نسائهم...
نعم، في النادر.
- إنهم يريدون أشياء متناقضة، من دون شك. وأخيرا فإنه حتى النساء يردن هذه الأشياء، الآن، ولكن المسألة حديثة العهد. تعدد الزوجات، في حقيقة الأمر، هو ربما حلٌّ جيد...."
الأمر محزنٌ، غرق حضارة، من المحزن رؤية تلاشي عقولها الجميلة- يبدأ الأمر بالمرء أن يحس، قليلا، بعدم الاطمئنان في حياته، وينتهي به الأمر إلى التطلع لإرساء جمهورية إسلامية. أخيراُ، لنعترف بأن الأمر محزنٌ بعض الشيء. توجد أشياء أكثر حزنا، في واقع الأمر. إيزابيل كانت دائما تعشق النقاشات النظرية، وهو، جزئيا، ما جذبني نحوها. التمرين بقدر ما هو عقيم، وربما يكشف عن كونه مميتاً حين يُمارَس من أجل ذاته، بقدر ما هو عميق وخلاق وحنون مباشرةً بعد الحب- بشكل مباشر بعد الحياة الحقيقية. كنا ننظر إلى بعضنا البعض بشكل نفاذ، وكنتُ أعرف وأحسّ بأن شيئاً ما سيحدثُ، بدا كما لو أن ضوضاء المقهى توقفت، كان الأمر كما لو أننا ولجنا في منطقة صمت، مؤقتة أو نهائية، لم أكن أستطيع أن أُعبّر عنها بعدُ، وفي نهاية الأمر، وهي دائما تنظر في عينيَّ، قالت لي بصوت واضح ولا يمكن دحضُهُ: "لا أزال أحبك".
[351]
نمت في بيتها في تلك الليلة، وأيضا في الليالي التي تلت، لكن من دون إلغاء حجزي في الفندق. وكما كنت أنتظر، كانت شقتها مزينة بذوق رفيع. كان الشقة تقع في إقامة سكنية في وسط حديقة عامة، على بعد مائة متر من المحيط. بمتعة كبيرة هيأت طعام الكلب فوكس، وبمتعة كبيرة أخرجته لقضاء حاجته. أصبح يتمشى بتثاقل مقارنة مع الماضي، وبدأ يهتم بدرجة أقل بالكلاب الأخرى.
كل صباح تأخذ إيزابيل سيارتها وتتوجه إلى المستشفى. تقضي القسم الأكبر من نهارها في غرفة أمها. قالت لي بأن أمها تتلقى عناية كبيرة، وهو ما أصبح شيئا استثنائيا. مثل كل السنوات أصبح الصيف شديد القيظ في فرنسا، ومثل كل سنة يموت الكثيرون، بسبب نقص الإسعافات، في مستشفياتهم وفي دور العجزة. ولكن حركات الاحتجاج على هذه الأوضاع توقفت منذ فترة طويلة جدا، لقد أصبح الأمر، بصيغة ما، كما لو أنه منغرس في المجتمع، إجمالا مثل وسيلة طبيعية لامتصاص وضعية حسابية لشيخوخة كبيرة جدا عندها قابلية، بالضرورة، لإلحاق الضرر بالتوازن الاقتصادي للبلد. إيزابيل كانت مختلفة، واستعدتُ، وأنا أعيش معها، الوعيَ بتفوقها الأخلاقي مُقارَنَةً مع الرجال والنساء من جيلها، إذ كانت كريمة جدا ومنتبهة جدا وذات جاذبية قوية. لكن، على المستوى الجنسي، لم يحدث بيننا أي شيء. كنا ننام في نفس السرير، من دون الإحساس بأيّ حرج، لكن من دون الوصول إلى الاستكانة. لقد كنتُ، للحقيقة، تَعِبا، كما أنّ الحرارة أنهكتني أيضا، وكنت أحس أنّ بي من الطاقة ما يوجد في محارة ميتة، هذا الخَدَر امتد إلى كل شيء، إذ أنني خلال النهار جلست للكتابة إلى طاولة تطل على الحديقة ولكن من دون جدوى، لم يبْدُ لي أيُّ شيء [352] هاما ودالاّ، كانت عندي حياة على وشك أن تنتهي، هذا كل شيء، وكنت مثل كل الآخرين، مهنتي كرجل مسرح كانت تبدو لي الآن بعيدة، ولم يتبقَّ، من كل ذلك، أيُّ أثر.
إلا أنني أحيانا كنت أدرك أن كتابتي السردية كان لها في الأصل هدف آخر؛ اكتشفتُ أنني شاركت في لانزروت في إحدى المراحل الأكثر أهمية، وربما في المرحلة الحاسمة في تطور النوع البشري. ذات صباح، أحسستني أتوفر على شيء من الحيوية، هاتفت فانسان، قال لي بأنه منهمك في تغيير محل السكنى وبأنه قرر بيع ملكية النبي في سانتا مونيكا لنقل المقر الاجتماعي للكنيسة إلى شوفيلي-لارو. سافانت بقي في لانزروت قرب المختبر، في حين أن فليك كان هنا مع زوجته، وقد اشتريا مقر سكنى قريبا من مسكنه ويقومان بتشييد مقرّات جديدة ويقومان بتشغيل عمال ويفكران في شراء حصص عرض في قناة تلفزيون موجهة للعبادات الجديدة. لقد كان هو أيضا، فيما يبدو، يقوم بأشياء هامة وبالغة الدلالة، في نظره على الأقل. لم أنجح مع ذلك في أغبطه، إذ أني خلال كل حياتي لم أهتمّ سوى بقضيبي أو لا شيء، والآن وقد مات قضيبي فأنا منهمك في تتبعه في انحطاطه المميت، كنت أردد مع نفسي بأنه ليس لي إلا ما أستحقه وأنا أتصنع الإحساس بتلذّذ كئيب بينما حالتي العقلية تتطور، أكثر فأكثر، نحو الفظاعة الصافية والبسيطة، فظاعة ضاعفت منها الحرارة المستقرة والعنيفة ووميض اللازورد الذي لم يتغير.
أعتقد أن إيزابيل كانت تحس بهذه الأشياء، وكانت تنظر إليّ وهي تتنهد، وبعد أسبوعين بدا واضحا أن الأشياء تدورُ بشكل سيء، وكان من الأوْلى أن[353] أرحل هذه المرة، وللمرة الأخيرة، والحق يقال، فإننا كنا، هذه المرة، عجوزين ومستهلكَيْن وفي بالغ المرارة، ولم يَعُد أحدنا يستطيع سوى أن يتسبب في ألم الآخر، وفي معاتبة الآخر على الاستحالة العامة للأشياء. في وجبة الطعام الأخيرة (المساء حمل معه قليلا من الطراوة، قمنا بجرّ المائدة إلى الحديقة، وبذلت إيزابيل مجهودا في الطبخ) تحدثت معها عن الكنيسة الإيلوهيمية وعن الوعد بالخلود الذي تم الإعلان عنه في لانزروت. بطبيعة الحال تتبعت الأخبار، قليلا، ولكنها كانت تعتقد مثل الكثيرين بأن كل هذه الأشياء لم تكن سوى ترهات فارغة، وكانت تجهل حضوري في عين المكان. أدركت حينها بأنها لم تلتق أبدا بباتريك، وعلى الرغم من أنها تتذكر روبرت البلجيكي، وعلى الرغم من أنه، في واقع الأمر، حدثت أشياء كثيرة في حياتي منذ رحيلي، فقد كانت مفاجأة لي أنني لم أتحدث معها عنه بصفة مبكرة. كانت الفكرة، من دون شك، جديدة، وللحق فقد كنت أنسى، في معظم الأحيان، أنني أصبحت من الخالدين، كان ينقصني بعض الجهد كي أتذكر هذا الأمر. شرحت لها الأمر، وأنا آخذ القصة من بدايتها، بكل التركيز المطلوب، وألححت على شخصية سافانت وعلى الانطباع العام الذي ولّد فيّ عن قدراته. كان ذكاؤها لا يزال يشتغل بشكل جيد، وأعتقد أنها لم تكن تعرف كثيرا عن علم الوراثة، ولم تأخذ الوقت الكافي للاهتمام به، إلا أنها كانت تتبع تفسيراتي من دون صعوبة، وكانت تستخلص، بسرعة، منها النتائج.
قالت: " إذن، فالخلود سيكون مثل حظ ثان.
- أو حظ ثالث؛ أو مثل حظوظ متعددة، إلى اللانهائي. الخلود، حقيقة.
[354]
- موافقة. أنا موافقة لأترك لهم حمضي النووي، وأوصي لهم بأملاكي. سأفعل الشيء نفسه لكلبي فوكس. من أجل أمي..." أظهرت ترددا، وتجهمت، وقالت: " أعتقد بأنه فاتها الأمرُ. هي لن تفهمَ شيئا. إنها تعاني، في هذه اللحظات. أعتقد أنها تريد أن تموت، حقيقةً. إنها تريد العدم.".
سرعة رد فعلها فاجأتني، أعتقد أنه من هذه اللحظة جاءني حدسٌ بوقوع قريب لظاهرة جديدة. إن إمكانية ولادة ديانة جديدة في الغرب هو، في حد ذاته، مفاجأة، إذا ما أخذنا في الحسبان أن التاريخ الأوروبي خلال الثلاثين سنة الأخيرة عرف انهيارا شاملا، بسرعة مدهشة، للاعتقادات الدينية التقليدية. الإيمان الكاثوليكي العميق والشامل والجماهيري في دول مثل إسبانيا وبولونيا وإيرلندا، ينظم بنية الحياة الاجتماعية ومجموع السلوكات منذ قرون ويحدد الأخلاق كما العلاقات العائلية ويشرط مجموع الإنتاجات الثقافية والفنية والتراتبات الاجتماعية والتعاقدات وقواعد الحياة. في غضون سنوات، وقي أقل من جيل، وفي زمن قصير بشكل لا يصدق، اختفى كل هذا وتبخر في العدم. لم يعد أحدٌ في هذه الدول يؤمن بالله ولا يوليه أدنى اعتبار ولا يتذكر أنه فعل في السابق. حدث كل هذا من دون مشاكل ومن دون صراع ومن دون عنف ولا احتجاج من أي نوع، ولا حتى من أي نقاش حقيقي، حدث كل هذا من دون عناء مثل أداة ثقيلة، مثل زمن محبوس بعائق خارجي، يعود بمجرد ما يتم إطلاقه في وضعية التوازن. المعتقدات الروحية البشرية كانت، ربما، بعيدة عن أن تُشكّل هذه الكتلة الكثيفة والصلبة والتي لا يمكن دحضها، كما يتم تقديمها عادة؛ [355] كانت، ربما، تُمثِّلُ، على النقيض، ما كان يوجد في الإنسان من سرعة الزوال ومن الهشاشة ومن سرعة الولادة والموت.


[356]
دانييل25,10

 معظم الشهادات تؤكد لنا الأمر إذ أنه ابتداء من هذه المرحلة، في حقيقة الأمر، تَكَاثَر، بشكل مطرد، أتباع الكنيسة الإلوهيمية وانتشرت من دون مقاومة في العالم الغربي. الحركة الإيلوهمية، وبعد أن حققت عملية عرض شراء عمومي OPA بالغ السرعة على التيارات البوذية الغربية، ابتلعت بنفس السهولة البقايا الأخيرة لانهيار المسيحية قبل أن تتجه صوب قارة آسيا، وانطلقت في فتوحاتها، من اليابان، حيث عرفت نجاحاً فاق التطلعات، خصوصا إذا عرفنا أن هذه القارة قاومت بنجاح، خلال قرون عديدة، كل المحاورات التبشيرية المسيحية. صحيح أن الأزمنة تغيرت وأن الإيلوهيمية تتمشى، بصيغة ما، على آثار رأسمالية الاستهلاك- التي من خلال جعلها الشبابَ القيمة التي تستحق الرغبة بشكل بالغ، دمّرت، شيئا فشيئا، احترام التقاليد وتقديس الأسلاف – من حيث كونها تتيح المحافظة اللامحدودة لهذه الشباب وللملذّات المرتبطة به.
 يظل الإسلام، وبشكل غريب، معقلا لمقاومة دائمة. الدين الإسلامي، وهو يعتمد على هجرة كثيفة ومتواصلة، يتقوى في الدول الغربية[357]، تقريبا بنفس إيقاع الإيلوهيمية. هذه الديانة وهي تتوجه، في المقام الأول، إلى السكان القادمين من المغرب العربي ومن أفريقيا السوداء، تعرف انتشارا متصاعدا وسط الكثيرين من ذوي الجذور الأوروبية، وهو نجاحٌ يمكن أن نعزوه، فقط، إلى طابعه الذكوري. إذا كان التخلي عن النزعة الذكورية جعل الرجال بائسين وأشقياء، فإنه لم يجعل النساء سعيدات على الإطلاق.أصبح الكثيرون من الرجال، وأيضا من النساء، بشكل متزايد، يحلمون بالعودة إلى نظام كانت فيه النساءُ محتشمات وخاضعات، وكانت فيه بكارتهن محفوظة. بطبيعة الوقت، في نفس الوقت، الضغط الإيروسي على جسد الفتيات اليافعات لم يتوقف عن التصاعد، ولم يكن انتشار الإسلام ممكنا لولا إدخال سلسلة من الملاءمات والتكييفات، تحت تأثير جيل جديد من الأئمة، الذين يستوحون في آنٍ واحد التقليد المسيحي لـلعرض الواقعي reality-shows ولمعنى مسرح التلفيزيونات الإنجيلية الأمريكية، التي وضعت، في اتجاه الجمهور الإسلامي، سيناريو حياة مثالية مرتكزة على الاعتناق والصفح عن الخطايا، وهما مفهومان غريبان، بشكل نسبي، عن الإسلام. في الصورة النمطية التي يتم إنتاجها، بطريقة مشابهة، في إثنا عشر مسلسلا تلفزيونيا تم تصويرها في معظم الأحيان في أفريقيا الشمالية أو في تركيا، تعيش الفتاة الشابة، وسط ذهول والديها، حياة متهتكة تطبعها الكحول والمخدرات والحرية الجنسية الأكثر جموحا. ثم، مطبوعة بحادث يسبب لها صدمة خلاصية(إجهاض مؤلم أو الالتقاء بشاب مسلم نزيه وورع يتابع دراسات ليصبح مهندسا، تترك وراءها إغواءات العالم وتصبح زوجة مطيعة وعفيفة ومحجبة. نفس الصورة توجد[358] تحت شكل ذكوري، وهذه المرة تتعلق، بشكل عام، بموسيقيي الراب وتركز بشكل أكبر على الجريمة وعلى استهلاك المخدرات البالغة الخطورة. هذا السيناريو المنافق يعرف نجاحا كبيرا خصوصا وأن العمر المختار لاعتناق دين ما (ما بين الثانية والعشرين والخامسة والعشرين) يتناسب جيدا مع العمر الذي تبدأ فيه الفتيات المغاربيات، اللواتي يكون جمالهن في سنوات المراهقة مثيرا للإدهاش، في السمنة وفي الشعور بالحاجة إلى ملابس تغطي من أجسادهن، أكثر. في عقدين من الزمن سينجح الإسلام في أوروبا في تأدية الدور الذي كانت تلعبه الكاثوليكية خلال مرحلتها العظيمة، أي دور ديانة "رسمية" مُنظِّمة للتقويم وللاحتفالات الصغيرة التي تمنع إيقاعا لمرور الزمن وللعقائد البدائية بما يكفي كي تكون في متناول أكبر عدد من الناس لكن مع المحافظة على غموض جدير بإغواء الأذهان المتوقدة، التي تتذرع مبدئيا بصرامة أخلاقية رهيبة مع المحافظة، في التطبيق، على ممرات قادرة على استرجاع أيّ خاطئ. حدثت نفس الظاهرة في الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصا لدى السود- باستثناء ذلك، احتفظت فيها الكاثوليكية، التي جاءت بها الهجرة الأمريكية اللاتينية، على وضعيات هامة جدا.
 كل هذا لا يمكن، مع ذلك، أن يستمر إلا بعض الوقت، وهكذا فإن رفض الشيخوخة والتعقّل والتحول إلى أم عائلة بدينة كان عليه، خلال سنوات لاحقة، أن يلمس بدوره السكان المنحدرين من الهجرة. حين يتعرض نظام اجتماعي للتدمير فإن هذا التدمير يكون نهائيا، وكل عودة إلى الوراء ليس ممكنة؛ لم يتمَّ البرهنة على قوانين قياس الطاقة اللامتاحة الاجتماعي، الصالحة كنظرية لأي نظام علائقي بشري، بشكل صارم [359] إلا من طرف هيوليتHewlett ودوديDude، بعد قرنين، لاحقا؛ ولكنها كانت، منذ زمن طويل، معروفة بصفة حدسية. إن سقوط الإسلام في الغرب يذكر، بصفة تدعو للدهشة، سقوط الشيوعية قبل عدة عقود، في كلا الحالتين يجب أن تولد ظاهرة الانحسار في البلدان الأصلية وفي بضع سنوات يتم تكنيس المنظمات التي أنشئت في دول الاستقبال، على الرغم من قوتها وثرائها. حين تستطيع الدول العربية أخيرا، وبعد سنوات من عمل تقويض تَشَكَّلَ، بصفة أساسية، من اتصالات إنترنيت سرية ومن تحميل لمنتوجات ثقافية منحطة، أن تصل إلى نمط حياة على الاستهلاك الجماهيري والحرية الجنسية وأوقات الفراغ، إن افتتان السكان كان حادا وسريعا كما كان عليه الشأن، قبل نصف قرن في البلدان الشيوعية. انطلقت الحركةُ، كما هو الشأن في معظم الأحيان في التاريخ البشري، من فلسطين، وتحديدا من رفض مفاجئ من فتيات فلسطينيات لحصر حياتهن فقط في إنجاب جهاديين قادمين، ومن رغبتهن في الاستفادة من حرية العادات التي كانت تتمتع بها جاراتهن الإسرائيليات. في بضع سنوات انتشر التحوّل الذي حملته موسيقى التكنو(مثل الافتتان الذي مارسته قبل عدة سنوات موسيقى الروك على العالم الرأسمالي، وبفعالية أكبر بفضل استخدام الشبكة) في مجموع البلدان العربية التي كان عليها أن تواجه تمردا جماهيريا للشبيبة ولكنها، بطبيعة الحال لم تنجح في ذلك. أصبح إذن من الواضح، بشكل كامل، في عيون الشعوب الأوروبية أن البلدان الإسلامية لم يتمَّ إبقاؤها في إيمانها البدائي إلاّ بسبب من الجهل والإكراه. الحركات الإسلامية الغربية[360]، محرومةً من قاعدتها الخلفية، انهارت دفعة واحدة.
 من جهتها، كانت الإيلوهيمية متكيّفة، بشكل كامل، مع حضارة أوقات الفراغ التي وُلِدَتْ بين أحضانها. لم تفرض أيّ إكراه أخلاقي وحصرت الوجود البشري في أصناف الفائدة واللذّة، بل وأخذتْ لحسابها الوعدَ الأساسي الذي كان وعد كل الديانات التوحيدية، ألا وهو الانتصار على الموت. باجتثاثها كل بُعْد روحي أو غامض، تحدّ الإيلوهيمية، ببساطة، من حمولة هذا الانتصار وطبيعة الوعد والتمديد اللامحدود للحياة المادية، أي للرضى اللامحدود للرغبات الجسدية.
 الحفلة الأولى الأساسية التي تطبع اعتناق كل مؤمن جديد- أخذ عينة من الحمض النووي- يترافق مع التوقيع على عقد يعهد فيه الراغب في الانضمام، بعد وفاته، كل ممتلكاته للكنيسة، وتمتلك الكنيسة الحق في استثمارها، مع تقديم الوعد له، بعد انبعاثه، بإعادتها له كاملةً. لا يبدو الأمر مثيرا بالصدمة حين نعلم أن الهدف يبقى هو تصفية كل بنوّة طبيعية وإذن تصفية كلّ نظام ميراث، وحين نعلم أن الموت يتم تقديمها باعتبارها مرحلة محايدة ورُكودَ دَمٍ بسيط في انتظار جسد استعاد شبابه. بعد حملة مكثفة لدى أوساط رجال الأعمال الأمريكيين أول معتنق كان هو ستيف جوبس- الذي طلب وحصل على استثناء جزئي لفائدة أبنائه الذين ولدوا قبل اكتشافه للإيلوهيمية. تتبع آثاره بيل غيتس وريشارد برانسون ثم عدد متصاعد من مسؤولي أهم الشركات العالمية. بعدئذ أصبحت الكنيسة ثرية، [361] وبعد موت النبي، بسنوات قليلة، كانت تمثل أوّلَ دينة أوروبية، بمقياس الرأسمال المُستَثْمَر أو بمقياس عدد الأتباع.
 الحفلة الثانية الأساسية هي الدخول في انتظار الانبعاث- بتعابير أخرى الانتحار. بعد فترة من التردد والريبة، استقرت العادة، شيئا فشيئا، على إكمالها وسط الجمهور، وفق طقس متناغم وبسيط، في وقت يختاره هذا الفرد من الأتباع حين يُقدّر بأن جسده ليس في حالة تسمح به بمنحه الأفراح التي يمكن أن ينتظرها منه بصفة شرعية. يتم هذا الاحتفال في ثقة كبيرة وفي اليقين بانبعاث قريب- وهو شيءٌ مذهلٌ، بشكل بالغ، خصوصا وأنّ ميسكيفيتش، وعلى الرغم من وسائل البحث الضخمة الموجودة تحت إشارته، لم يحرز على تقدم حقيقي، وإذا كان يستطيع، بالفعل، ضمان محافظة لامحدودة على الحمض النووي، فقد كان عاجزا عن أن يولد منها جسما حيا أكثر تعقيدا من خلية عادية. الوعد بالخلود الذي أطلقته المسيحية، في زمنها، يرتكز، بحق، على قواعد باهتة. فكرة الخلود في واقع الأمر لم تفارق الإنسان، أبدا، وعلى الرغم من اضطراره، مكرها ومجبراً، للتخلي عن معتقداته القديمة، فقد حافظ منها، عن قرب، بالحنين، لم يستسلم أبداً، وكان على استعداد، مستخدما أيّ تفسير مهما كان قليل الإقناع، لأن يدَعَ نفسَه يُقاد من قبل إيمان جديد.

 [362]
دانييل1,22

 كنتُ أمتلك أقلّ ما يكون من طبيعة مؤمن، بحيث أن معتقدات الآخرين كانت، بالنسبة لي، لا تعني شيئا تقريبا. من دون صعوبات وأيضا من دون أعلق أهمية أعطيتُ لإيزابيل عنوان ورقم الكنيسة الإيلوهيمية. حاولت ممارسة الجنس معها، في هذه الليلة الأخيرة، ولكن الأمر انتهى بالفشل. حاولتْ خلال بعض الدقائق أن تمضغ قضيبي، ولكتني اكتشفت أنه على الرغم من أنها لم تفعل هذا الشيء منذ سنوات، فهي لم تعد تؤمن بالأمر بتاتا، ومن أجل القيام بهذه الأعمال على أحسن حال يتوجب، على الأقل، الحد الأدنى من الإيمان والتحمس؛ ظلت لحمي في فمها رخواً في حين أن خصيتيّ المتهدلتين لم تعودا تستجيبان لمداعباتها التقريبية. انتهى بها الأمر إلى أن تتخلى عن هذه الحركة وسألتني إن كنت في حاجة إلى مُنوّمات. نعن، كنت أريدها، وأعتقد أن من الخطأ الدائم رفضها، إذْ من غير المفيد تعذيب النفس. كانت دائما قادرة على أن تستيقظ الأول [363] وتهيئ القهوة، هذا ما كانت لا تزال قادرة على فعله. كانت بعض قطرات الندى على شجر الليلك، درجة الحرارة منخفضة، وكنت قد حجزت بطاقة القطار للساعة الثامنة و32 دقيقة صباحا، والصيف بدأ يرخي قبضته.
 نزلت، كما هي عادتي، في فندق ليتيسا، وهنا استغرقت كثيرا من الوقت قبل أن أهاتف إيستير، ربما شهرا أو شهرين، من دون سبب محدد، كنت أقوم بنفس الأشياء التي كنت أقوم بها في السابق، ولكن بتثاقُل، كما لو كان عليّ أن أفكك الأفعال كي أصل إلى إنجازها بطريقة مُرضيّة ما أمكن. من حين لآخر كنت أجلس في حانة الفندق وأشرب بهدوء، ببرودة طبع. في كثير من الأحيان كان البعض من معارفي السابقين يتعرفون عليّ. لم أكن أبذل جهدا للاستمرار في الحديث، ولم أكن أجد حرجا في الأمر؛ هذا من إحدى المزايا القليلة لمن يكون نجماً- أو بالأحرى لمن يكون نجما قديما، في مثل ظروفي: حين نلتقي شخصا آخَر وننتهي إلى أن نحسّ معا بالضجر، وهذه مسألة طبيعية، من دون أن يكون أحدٌ من الطرفين، بالتحديد، مصدراً لنوع من اتفاق مشترك، فالآخَرُ، دائما، هو الذي يحسّ بالمسؤولية وهو الذي يحس بالذنب لأنه لم يعرف كيف يحافظ على مستوى رفيع، بما يكفي في الحديث، ولم يعرف كيف يُرسي جوّا لامعا وحميميا، بما يكفي. يتعلق الأمر هنا بوضعية مُريحة، بل وباسترخاء من اللحظة التي نبدأ فيها بعدم الاكتراث بها بشكل حقيقي. أحيانا يحدُثُ لي، وسط تبادل الحديث حيث أكتفي بتحريك رأسي برفق متظاهرا بالفهم، أن أترك العنان للاستغراق في أحلام غير إرادية- وهي، بصفة عامة، منفّرةٌ، إذ أفكّر في أماكن تصوير الأفلام حيث يتوجب على إيستير أن تقبل رجالا، وأفكّر في مَشَاهِد الجنس التي يتوجب عليها أن تمثلها في مختلف الأفلام القصيرة؛ [364] تذكرت كم أجهدتُ نفسي – فضلا عن أنه كان غير مفيد، كنت أستطيع أن أتسبب لها في مشاهد أو أنهار باكيا لكن من دون أن يغير من الأمر شيئا- وأدركت جيدا أنني ما كنت لأستطيع، بأية حال، أن أصمد طويلاً في مثل هذه الشروط، أدركتُ أني أصبحت عجوزاً بحيث لم أعُدْ أمتلك القوة، قطّ؛ هذا الاستنتاج لم ينقص في شيء من شقائي لأنه في الوضعية التي كنت فيها لم يكن لي من مَخْرَج سوى أن أعاني حتى النهاية، لن أنسى أبدا جسدها ولا جلدها ولا وجهها ولم أحسّ أبدا من قبلُ، بكل الوضوح، أن العلاقات الإنسانية تولد وتتطور وتموت بطريقة حتمية، بشكل كامل، ولا مناص منها، أيضا، شأنها شأن حركات نظام كوكبي، ومن العبثي ومن غير المجدي أن نأمل تغيير مساره، على قلة هذا الأمل.
 كنت أستطيع أن أقيم هنا، في فندق ليتيسيا، فترة أطول، ربما حلال فترة أقل من بياريتز لأني بدأت أسرف في تناول الكحول، كان القلق يحفر ببطء ثقبه في أعضائي وكنت أظل كثيرا فترات ما بعد الظهيرة في متجر بون مارشيBon Marché في النظر إلى واجهات المتجر، ليس من معنى في البقاء على هذه الحالة. ذات صباح من شهر أكتوبر، يوم اثنين على الأرجح، هاتفتُ فانسان. بمجرد وصولي إلى شقة شوفيلي-لاري جاءني الانطباع بأني أدخل إلى مأرضة أو إلى خلية، في منظمة تكون فيها لكل واحد وظيفة محددة بشكل دقيق وحيث الأشياء تشتغل وفق كامل طاقتها. كان فانسان ينتظرني في المدخل، وهو يتأهب للمغادرة، وفي يده هاتفه النقال. نهض واقفا حين رآني، صافحني بحرارة، ودعاني لمرافقته في مقراته الجديدة. كان قد اشترى مع زوجته[365] عمارة صغيرة من المقرّات، لم يكن البناء قد انتهى بعد، كان بعض العمال يضعون صفائح عازلة وأنوارا ساطعة، ولكن ما يقرب من عشرين شخصا كانوا لايزالون يشتغلون، البعض منهم يتحدثون في الهاتف وآخرون يردون على البريد والرسائل، وينظمون قواعد المعطيات أو أشياء أخرى، المهم أني كنت في مقاولة صغيرة أو متوسطة PME، بل وفي مقاولة كبيرة، والحق يُقالُ. إذا ثمة من شيء لم أتوقعه أول مرة التقيت فيها فانسان، فهو رؤيته وقد تحول إلى رئيس مقاولة، لكن على كل حال كان كلُّ شيء ممكنا، بالإضافة إلى أنه كان يبدو مرتاحا في هذا الدور، لكن تحدث بعض التحسينات، أحيانا، في حياة بعض الناس، المسلسل الحيوي لا يمكن أن نعزوه إلى حركة انحطاط خالص، سيكون الأمر هنا تفسيرا خاطئا. بعد أن قدمني إلى اثنين من معاونيه أعلن بأنهم حققوا انتصارا هاما، إذ بعد شهور عديدة من معركة قانونية أعلن مجلس الدولة conseil d’Etat عن قرار يسمح للكنيسة الإيلوهيمية بأن تشتري من أجل استخدامها الخاص المعابد الدينية التي لم تعد للكنيسة الكاثوليكية إمكانية صيانتها. الشرط الوحيد هو الشرط الذي كان ينطبق على الملاّك السابقين، وهو الحفاظ، بشراكة مع الصندوق الوطني للآثار التاريخية، على التراث الفني والهندسي في حالةِ مُحافظةٍ جيدة؛ لكن على مستوى العبادة التي سيتم تنظيمها داخل المعابد فلا يُفرض أي تحديد. قال لي فانسان بأنه حتى في العصور الأكثر تقدما منّا، على المستوى الجمالي، ما كان ممكنا التفكير في القيام، خلال بضع سنين، بإنجاز تصوّر وإنجاز عرض مثل هذه الروائع الفنية؛ [366] هذا القرار سيتيح لهم، إلى جانب وضع عديد من أمكن العبادة ذات الجمال الكبير تحت تصرف المؤمنين، تركيز قواهم من أجل تشييد السفارة.
في اللحظة التي بدأ يفسر لي فيها رؤيته عن جمالية الاحتفالات الطقوسية، دخل فليك إلى المكتب، لابساً معطفا أزرق رائعا. هو أيضا كان يبدو في حالة مريحة، وصافحني بحرارة. بالفعل لا يبدو أن الطائفة الدينية عانت من جراء غياب النبي. بل على العكس، كانت الأمورُ تسير من حسن لأحسن، على الرغم من أنه لا شيء حدث منذ مشهد الانبعاث الذي كشف عنه في لانزروت. لكن الحدث كان له وقعٌ إعلامي بحيث أنه كان كافيا، تواصلت طلبات الحصول على المعلومات، والكثير من هذه الطلبات كانت مصحوبة بطلب الحصول على العضوية، عدد المؤمنين والأموال المتوفرة تضاعفت من دون انقطاع.
في مساء اليوم نفسه، دُعيتُ لتناول العشاء لدى فانسان بصحبة فليك وزوجته- كانت أول مرة ألتقيها، وتركت في نفسي انطباعا عن امرأة رصينة وصلبة بل وحارّة. مرة أخرى أُصبت بالذهول من كون فليك يعطي الانطباع بأنه يمتلك قسمات كادر مقاولات – لنقل، يمتلك صفات مدير العلاقات البشرية- أو موظف مكلف بتوزيع المساعدات للفلاحة في مناطق جبلية؛ لا شيء كان يشي بنزوع تصوفي، بل ولا حتى تدين عادي. بالفعل لم يكن يبدوـ بشكل خاص، سريع التأثر ومن دون تأثُّر ظاهر أخبر فانسان بولادة انحراف مقلق أُعْلِم بوقوعه في بعض المناطق الجديدة [367] التي وَصَلَتْها الطائفة الدينية- وبشكل خاص إيطاليا واليابان. لا شيء في العقيدة كان يدل على أي طريقة يتم بها الاحتفال بالرحيل الإرادي؛ كل معلومة ضرورية لإعادة بناء جسم المؤمن محفوظةٌ في حمضه النووي، هذا الجسم بنفسه يمكن تفكيكه أو اختزاله في رماد من دون أن يكون لهذا أي تأثير. يبدو أن ثمة عملية مَسْرَحة خطرة متصاعدة، في بعض الخلايا، حول تشتيت العناصر المكونة للجسد، وقد طال الأمر، بشكل خاص، الأطباء والعمال الإجتماعيون والممرضات. قبل أن ينصرف فليك سلّم إلى فانسان ملفا يتكون من ثلاثين صفحة بالإضافة إلى ثلاثة أقراص مدمجة وهو يتضمن تسجيلا لمعظم الاحتفالات؛ قبلت البقاء للنوم في منزل فانسان. قدمت لي سوزان كأس كونياك في الوقت الذي واصل فيه فانسان قراءته. كنا في الصالون الذي كان صالون جديه، ولم يكن ثمّة من تغيّر منذ زيارتي الأولى. الكراسي والكنبات المخملية الخضراء كانت تعلوها تخريمات ورأسيّات، صُوَر المَشاهد الجبلية كانت لا تزال في كادرها، وتعرفت على نبتة من فصيلة الآكاسيا philodendron بالقرب من البيانو. كان وجه فانسان يتجهم بسرعة بدرجة قراءته للملف؛ قدّم ملخصا بالإنجليزية لسوزان، ثم استعرض بعض الأمثلة من أجلي:
"في خلية ريميني يتم إفراغ الجثة، بشكل كامل، من دمها؛ المساهمون في الاحتفال يُلطِّخون أنفسهم بها قبل أن يبدأوا في التهام كبده وأعضائه الجنسية. في خلية برشلونة يطلب الشخصُ المُقبل على الموت أن يظل مُعلَّقا إلى كُلاّب المجزرة ويظل رهن إشارة الجميع. جسده ظل معلقا على هذه الطريقة، في قبو، خلال عدة أيام، وكان المشاركون في الاحتفال [368]، يتزوّدون منها ويقطعون منها أطرافا ويأكلونها، بشكل عام، في عين المكان. أما في أوساكا، باليابان، فإن الشخص المقبل على الموت طالب بأن يتمّ سحق جسده وضغطه بمعصرة صناعية، إل أن يتم تحويله إلى كريّة يبلغ قطرها عشرين سنتمترا، ثمّ تُغَطَّى بقشرة شفافة من السيليكون ويمكن أن تُسْتَخْدم في لعب مبارة في البولنغ. كان، فيما يبدو، في حياته، من عشاق هذه الرياضة."
توقف عن الحديث وكان صوته مرتبكا بعض الشيء. كان فيما يبدو مصدوماً من مدى الظاهرة.
قلتُ له: " إنه نزوع مجتمعي. نزوع عام نحو البربرية. ولا يوجد من سبب للإفلات منه...
- لست أدري ما الذي يتوجب فعله، لا أعرف كيف يمكن التخلص من هذا. المشكلة تكمن في أننا لم نتحدث أبدا، في أية لحظة، عن الأخلاق...
تدخلت سوزان في الحديث وقالت: توجد الكثير من الانفعالات السوسيو-دينية القاعدية، إذا لم يتوفر الجنس تكون ثمة حاجةٌ للشراسة.. هذا كل ما في الأمر..."

صمت فانسان، أطرق مفكرا، ثم ملأ كأسه بالكونياك. في صباح اليوم التالي، اثناء تناول الفطور، أعلن لنا قراره ببدء حركة على المستوى العالمي: "امنحوا الجنس للناس؛ امنحوهم اللذة." بالفعل، بعد بضعة أسابيع التي تلت موت النبيّ انخفضت الحياة الجنسية عند الأتباع إلى درجة أنها تساوت مع المستوى الوطني، أي انخفضت بشدة. انحطاط الجنس ظاهرةٌ كونية، مشترك بين مجموع الطبقات الاجتماعية وبين مجموع الأمم المتقدمة، والذي لا يميز بين المراهقين ومن هم أقلّ سنا[369]؛ المِثليّون الجنسيون، بأنفسهم، بعد فترة هيجان قصيرة، متأتية عن تحرر ممارساتهم، أصبحوا أكثر هدوءا ويتطلعون الآن إلى نظام الزوج الواحد وإلى حياة هادئة ومنظَّمَة، في أزواج، ويكرسون أوقاتهم للسياحة الثقافية وإلى اكتشاف أنبذة البلد. الأمر، بالنسبة للإيلوهيم كان ظاهرة مقلقة، لأنه على الرغم من أنّ ديانة مَا ترتكز، بشكل جوهري، على وعد حياة خالدة، فإنها تُضاعِف، بشكل كبير، من سلطة جاذبيتها بمجرد ما يبدو أنها تستطيع، بشكل فوري، اقتراح حياة حافلة وأكثر ثراء وأكثر تحمّسا وأكثر غبطة. لقد كانت الثيمة الأساسية الدائمة للحملات الإشهارية التي نظّمتها الكنيسة الكاثوليكية قبيل اختفائها هي: "في رحاب المسيح، يمكنك أن تعيش أقوى". لقد فكّر فانسان، أبعد من المرجعية الفوريّة، في إعادة العلاقة مع الدعارة المقدسة، التي ثبت تأكدها، بشكل كلاسيكي، في بابل، يتمثل في المقام الأول دعوة خطيبات النبي السابقات من أجل تنظيم نوع من دورة تهتكية يكون الهدف منها هو إعطاء الأتباع مثال منحة جنسية دائمة والعمل على أن تنشر في مجموع الفروع المحلية للكنيسة موجةً من فسق ومن لذة قادرة على الحؤول دون تطور ممارسات الفسق بالموتى والممارسات المميتة. وجدت سوزان الفكرة ممتازة، إذ كانت تعرف الفتيات وكانت تستطيع أن تهاتفهن وكانت على يقين بأنهن سيقبلن الأمر بحماس. رسم فانسان، خلال الليل، بشكل إجمالي سلسلة من رسوم أولية مُوجَّهَة لأن تتم إعادة إنتاجها على الإنترنيت. كانت، بشكل مفتوح، بورنوغرافية(تمثل مجموعات من اثنين إلى عشرة أشخاص، رجالا ونساء، وهم يستخدمون أيديهم وأعضاءهم الجنسية وأفواههم بكل الطرق التي يمكن تخيلها)[370] وبالغة التزيينية وكانت تتمتع بصفاء الخطوط وتقطع، بإلحاح، مع الواقعية الفونوغرافية المثيرة للتقزز التي ميّزت إنتاجات النبي.
بعد بضعة أسابيع، أصبح من الواضح أن الحركة عرفت نجاحا حقيقيا، كانت دورة الخطيبات نجاحا، والأتباع، في خلاياهم، يبذلون جهودهم لإنتاج أشكال إيروسية التي رسمها فانسان على الورق؛ كانوا يجدون فيها لذة حقيقية إلى درجة أن إيقاع الاجتماعات، في معظم الدول، تضاعف ثلاث مرات؛ الفسق الطقوسي إذنْ، وخلافا لاقتراحات جنسية أخرى ذات مصادر دنيوية وحديثة جدا من قبيل تبادل الشركاء الجنسيين، لا يبدو أنها معادلة مهجورة. بشكل أكثر دلالة أيضا، فإن الأحاديث بين الأتباع في الحياة اليومية حين تتمّ بحدّ أدنى من التقمص الوجداني تترافق، أكثر فأكثر، في كثير من الأحيان، مع ملامسات ومداعبات حميمية، بل وباستمناءات متبادلة؛ إن إعادة جنسنة العلاقات البشرية، إجمالا، يبدو أنها على وشك النجاح. في حينها تم اكتشاف إحدى التفاصيل التي غابت عن الجميع في اللحظات الأولى من الحماس، إذ أن فانسان في رغبته في الرسم بطريقة تزيينية ابتعد، بشكل واسع، عن تمثيل واقعي للجسم البشري. إذا كان القضيبُ مشابهاً بشكل كبير(مع كونه مستقيما جدا وأمرد ومجردا من إرواء وريديّ ظاهر)، فإن الفرج يتم اختزاله في رسومه إلى شقّ طويل ورقيق ومجرد من الزغب، واقع في وسط الجسم، في امتداد مفرق الردفين، ويمكن بالتأكيد أن ينفتح بشكل أوسع لاستقبال أعضاء الرجال التناسلية ولكنه لم يكن صالحا لكل وظائف الإخراج. [371] كل الأعضاء التي تعمل على الإخراج، بصفة عامة، اختفتْ، والكائنات التي تمّ تخيلها على هذا الشكل، إذا كان بمستطاعها أن تمارس الحب، فمن البدهي أنها كانت عاجزة عن أن تغتذي.
كان بإمكان الأمور أن تظل عند هذا الحد، ويمكن أن تعتبر تدخلا بسيطا من قبل الفنان، من دون تدخل سافانت، العائد من لانزروت، بداية ديسمبر من أجل تقديم حالة سير أشغاله. وعلى الرغم من أنني كنت أقيم في فندق ليتيسيا فقد كنت أقضي معظم أوقاتي في شيفيلي-لارو. لم أكن عضوا في اللجنة الإدارية ولكني كنت من الشهود المباشرين النادرين للأحداث التي رافقت موت النبي، وكنت أحظى بثقة الجميع، ولم يكن فليك يخفي عني أي شيء. بطبيعة الحال كانت تحدث أشياء في باريس، أحداث سياسية وحياة ثقافية، ولكن مع ذلك كنت على يقين من أنّ الأشياء الهامة والدالّة تجري وقائعها في شيفيلي-لارو. كنت مقتنعا بهذا الأمر منذ فترة طويلة على الرغم من أني لم أستطع أن أترجم هذا اليقين في أفلامي ولا في مسرحياتي، بسبب عدم توفري في السابق على اتصال حقيقي مع الظاهرة، لأن الأحداث السياسية أو العسكرية والتحولات الاقتصادية والتغيرات الجمالية أو الثقافية يمكن أن تلعب دورا، وأحيانا يكون دورا كبيرا جدا في حياة البشر، ولكن لا شيء، أبدا، أن تكون له أهمية تاريخية يمكن مقارنتها بتطور دين جديد أو انهيار دين موجود. كنت أقول لبعض معارفي ممن كنتُ ألتقي بهم في ليتيسيا بأنني أكتبُ. كانوا يفترضون، على الأرجح، بأنني بصدد كتابة رواية ولم يكونوا يظهرون كثيرا من الاندهاش، إذ كان يُنظرُ إليَّ، دائما، على أساس كوني فنانا ساخرا ذا نزوع أدبيّ؛ كنتُ أقول في نفسين أحيانا، بأنهم لو استطاعوا أن يعرفوا أن الأمر لا يتعلق[372] بمجرد كتاب تخييلي وإنما أجهد نفسي على رسم إحدى الأحداث الأكثر أهمية في التاريخ البشري؛ أقول في نفسي، في الوقت الحاضر، بأنه لو كانوا على علم بالأمر ما كانوا ليتأثروا بشكل خاص. بقدر ما كانوا، كانوا متعودين على حياة كئيبة ولا تتطور إلا في النادر، كانوا متعودين على أن يتجرّدوا، شيئا فشيئا، من الوجود الحقيقي، ويفضلون تفسيرها/التعليق عليها. كنت أتفهمهم إذ كنت في نفس حالتهم- بل وكنت على هذه الحالة بشكل واسع، وربما بشكل أكبر. لو أفكر، ولو مرة واحدة، منذ إطلاق حركة " امنحوا الجنس للناس، امنحوهم اللذة"، أن أستفيد، بشكل شخصي، من الخدمات الجنسية لخطيبات النبي؛ كما أنّي لم أطلب من أي واحدة من الأتباع أن تتصدق علي بعلاقة فمية أو باستمناء عادي، وهو شيء كان يمكن أن تمنحني إياه بسهولة. كانت إيستير لا تزال حاضرة في رأسي وفي جسدي، وفي كل مكان. قلت هذا الأمر لفانسان، وكان الوقت نهاية الصباح، صباح خريفيّ جميل جدا، من نافذة مكتبه كنت أتأمل أشجار الحديقة العمومية، قلت له إنّ حركة من قبيل "امرأتك تنتظرك" كان يمكن لها أن تنقذني، ولكن الأشياء لم تأخذ طريقها على الإطلاق. نظر إلي في حزن، كان يشفق على حالي، ولم يكن يجد صعوبة في فهم وضعيتي، لا بد أنه يتذكر، بشكل كامل، تلك اللحظات القريبة جدا التي كان حبه لسوزان يبدو من دون أمل. حركتُ بِوَهن يدي وأنا أترنّم: "لا- لا-لا..." قمت بحركة صغيرة لم أنجح في جعلها حركة فكاهية. ثم، وعلى طريقة زرادشت، وهو يبدأ انحطاطه، اتجهت صوب مطعم الشركة.
[373]
كنت حاضراً، مهما كان، أثناء الاجتماع الذي أعلن فيه سافانت، وبعيدا عن أن يكون الأمر عبارة عن رؤية فنان، أن رُسوم فانسان تتصور مُسْبقاً إنسانَ المستقبل. بدا له منذ فترة طويلة أن التغذية الحيوانية كنظام بدائي ذي مردودية طاقوية هزيلة ومُنْتِج لكمية من النفايات زائدة بشكل واضح، وهي نفايات لا يتوجب فقط التخلص منها ولكنها في غضون ذلك تتسبب في استنفاد لا يستهان به للجسم. كان يفكر منذ فترة طويلة في منح الحيوان الإنساني الجديد هذا النظام التخليقي الضوئي، الذي كان بسبب تطور شاذّ، وقْفاً على النباتات. الاستخدام المباشر للطاقة الشمسية كان بالتأكيد نظاما قويا جدا وأكثر أداء وأكثر مصداقية- كما تشهد على هذا فترات الحياة اللامحدودة، عمليا، التي بَلَغَتْها النباتات. بالإضافة إلى أن إلحاق قدرات ذاتية التغذية بالخلية البشرية كان بعيدا عن أن يكون عملية مُعقَّدة كما يمكن أن نتخيلها؛ كانت مجموعاته تشتغل منذ فترة حول المسألة وظهر أن عدد الجينات المعنية كات ضعيفا بصورة مدهشة. الكائن البشري، وقد تحول إلى هذا الشكل، لا يمكن البقاء إلا بواسطة الماءوكنية صغيرة جدا من الأملاح المعدنية، دون نسيان الطاقة الشمسة طبعا. الجهاز الهضمي، شأنه شأن الجهاز الإبرازي، يمكنها أن يزولا- المواد المعدنية الزائدة يمكن التخلص منها بسهولة بشيء من الماء عن طريق العَرَق.
فانسان الذي لم يكن متعوّدا، كثيرا، على تتبع تفسيرات سافانت، كان يعبر عن موافقته بطريقة آلية. أما فليك فكان يفكر في شيء آخر، وهكذا، في بضعة دقائق، وعلى قاعدة رسم تخطيطي متسرّع لفنان، تم الحسم في قضية التقويم الوراثي الموحد، التي يتوجب تطبيقها على، على نمط واحد، على كل وحدات الحمض النووي المُخصَّصَة[374] لأن تكون مدعوة إلى الحياة وتسجيل قطيعة ما بين الآدميين الجدد وأسلافهم. أما ما تبقى من الكود الوراثي فقد ظل من دون تغيير. لقد كنا إزاء نوع جديد، بل وإزاء حُكْم جديد، بحصر المعنى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...