التخطي إلى المحتوى الرئيسي
النقد الأدبي بالضربات على هامش اتهام ميلان كونديرا بالوشاية
أرسلت في الأحد 26 أكتوبر 2008


محمد المزديوي/ باريس

بعد الهجوم الكاسح الذي تعرض له غونتر غراس الكاتب الألماني الكبير والحائز على جائزة نوبل للآداب، بخصوص انتمائه للشبيبة الهتلرية في صغره، هاهو الدور يلاحق، بطريقة ما، الكاتب الفرنسي من أصول تشيكية ميلان كونديرا. يقول محضر الاتهام إن الطالب كونديرا وشي، سنة 1950، بعميل في براغ، وقد دفعت الضحية، ميروسلاف دفوراشيك 14 سنة من عمرها في السجن. ولعل المراقب يلاحظ التوقيت الذي جاءت فيه هذه الاتهامات التي تناقلتها وكالات الإعلام وكأنها تسقط على صيد ثمين.


لعل القارئ العربي يعرف جيدا نصوص كونديرا التي تُرجم معظمها إلى لغة الضاد، كما يعرف مواقفه المناصرة للحرية ومواجهة الاستبداد الشرقي الشيوعي. كما أن القارئ العربي قرأ تفاصيل الزيارة التي قام بها ثلاثي أدبي شهير إلى كونديرا من أجل تقديم الدعم له في بلده، ويتعلق الأمر بغابرييل غارسيا ماركيز وخوليو كورتثار وكارلوس فوينتس.
وكتب الناقد الأدبي الفرنسي الكبير بيير لوباب Pierre LEPAPE مقالا في صحيفة «لوجورنال دي ديمانش» عن القضية، التي تناقلتها الصحافة الفرنسية، بعنوان: «لماذا يُراد تحطيم كونديرا؟» ومن ضمن ما يقوله في مقاله الذي ينتصر فيه للكاتب الكبير، نقرأ: «يوجد الكثير من الناس الذين لهم مصلحة في تحطيم كونديرا بجمهورية تشيكيا. لن يغفروا له الكثير من الأشياء ومن بينها شهرته العالمية. وأن يكون أكبر الكتاب التشيكيين الأحياء، وأن يستقر في فرنسا منذ ما يقرب من ربع قرن وأن يكتب من الآن فصاعدا نصوصه باللغة الفرنسية. الأمر لا يقبل التحمّل. كما أنه عصيّ على التحمل أن يكون كونديرا قد رفض، حتى قبل انهيار النظام الشيوعي، أن يرتدي لباس المنشقّ الذي أرادوا منه أن يلبسه. لقد حاول عبثا أن يعلن أن مساره ككاتب، كما هو شأن كل الفنانين الحقيقيين، لا يمكن اختزاله في مجرد مظهر سياسي للشرط البشري، ولكن لا أحد أنصَتَ إليه. إلى درجة أنه انتهى به المطاف إلى الصمت، تاركا لكتبه مهمّة الحديث».
ما يقصده الكاتب بالأمر هو قرار كونديرا، بعد أن تعرّضت حواراته في فرنسا مع الصحافة للتحوير، بأن يخلد للصمت والعزلة، وألا يعطي أي حوار صحافي، وأن يترك كتبه تتحدث عن نفسها. ولكن هذا القرار في التزام الصمت، كانت له سلبياته في نظر الناقد بيير لوباب: «ولكن هذا الصمت العنيد، لم يعالج قضاياه، إذْ إن كاتبا لا يبحث عن جمهور آخَر غير جمهور قرائه يُبرهن عن مستوى يُتاخِم الاحتقار. اللهمّ إلا إذا كان عنده سر ثقيل يريد إخفاءه. ولم تخطر في بال منتقديه فكرة أنه تكفي قراءة كتبه». ويضيف لوباب، مدافعا عن كونديرا: «كونديرا لم يكن شيوعيا جيدا، ولن يكون معاديا جيدا للشيوعية، مغدقا المديح على النموذج الأميركي الذي حل محل النموذج الشيوعي في براغ. العديد من المثقفين التشيكيين من جيله يقاسمونه شعوره، ولكنه تم إقصاؤهم من المجتمع الجديد، كما تم إقصاؤهم من الجامعات بعد نهاية ربيع براغ».

ما السبب في هذا التهجم على كونديرا؟يعزوه الناقد الفرنسي إلى «خطوة إضافية تم تخطيها [في تشيكيا] في مسار محو وإعادة كتابة الحقيقة. لا يتعلق الأمر بمعرفة الحقيقة، وإنما بجعلها غير مقروءة إلى الأبد. كانت ثمة طريقتان للوصول إلى الأمر: الأولى تتعلق بخنق وقلب الصفحة بطريقة سرية وتشجيع فقدان الذاكرة. والثانية، وهي أكثر فعالية من الأولى، وتتعلق برواية التاريخ كما لو أننا نقوم بإفراغ النفايات».
المتهجمون اختاروا الوقت المناسب للضرب، وهو افتتاح معرض فرانكفورت للكتاب، وهو مناسبة لالتقاء ناشري العالم بأسره.
كونديرا، وكما هو منتظر، خرج من صمته، لينفي قاطعا هذه الاتهامات، التي أفرحت بعض الكتاب والصحافيين، وجاء مؤرخ تشيكي للأدب «زدينيك بيسات» ليشكك في الرواية، وليتحدث عن طالب آخر وشي بالضحية. ويرى المؤرخ أن الأمر لو كان صحيحا لكانت الاستخبارات التشيكوسلوفاكية استغلت الأمر حين وصل كونديرا إلى فرنسا.
الكثيرون تداعوا للتنديد والتكذيب، ولكن الشائعة في عالمنا المعاصر، من المستحيل غسلها تماما.
تزامن الاتهام أيضا مع الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل، ويبدو أن الذين يتمترسون خلف الاتهام ازدادوا فرحا لأن الجائزة، التي اسّاقَطَتْ على كاتب فرنسي «جان ماري لوكليزيو» أخطأت كونديرا هذه المرة أيضا.

---
محمد المزديوي كاتب مغربي مقيم في فرنسا

---
عن العرب القطرية 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...