التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد.

نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.)

كارمـــا

نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه المِرْآة من صنعٍ هنديّ. فالأوكسيد الأحمرُ خلف الزجاج انتقل إلى أماكن عديدة، وعَبَرَت خُطُوطٌ طويلة من الزّجاج شبه الشفّاف مَسَاحَتَها. ابتسمَ السير «موهان« في المرآة بِمَظهرٍ فيه خليطٌ من الشّفقة ومن الاحساس بالتفوق.

همس في نفسه:

- <<أنتَ مثل باقي الناس في هذا البلد: غيرُ فعّالٍ وقَذِرٌ ومختلفٌ>>.

أعَادَتِ المِرآةُ ابتسامة السير <<موهان>>.

قال:

<<لا يبدو عليكَ، يا عزيزي، أنكَ سيءٌ. أنتَ مُتَمَيزٌ وفعّالٌ، بل وأنتَ، كذلك، رجل أغرّ الطلعة. شَارِبٌ مُشَذبٌ ومُقَطعٌ، وبِدلةٌ من نوع <<سافيل راو>> Saville Row ذات عُروة، وَأَرِيجُ ماء الكولونيا، وطِلْق وصابون مُعَطرٌ. نعم، يا عزيزي، أنتَ لستَ سيئا على الإطلاق>>.

نفخَ السير <<موهان>> بطنه، وصَقَل ربطةَ عنقِهِ المدرسيةَ من نوع <<باليول>> Balliol من <<أوكسفورد>> Oxford للمرة الألف وقام بتَحِيّة المِرآة قبل أن يُغادِرَها.

ألقى نظرةً خاطفة إلى ساعته. تحقق من أنه ما زال يملك الوقتَ لِشُرب كأس صغير بسرعة.

- <<هلْ يُوجدُ أحدٌ مَا هُنَا؟>>

ظهر خادمٌ بِخِلعة بيضاء من خلال باب مُشَبكَةٍ.

- <<قَدْرٌ صغيرٌ!>> قال السير <<موهان>> بلهجة آمِرَة وهو يَتَسَاقَط على مقعد كبير من الخيزُرَان، وتجشّأَ.

خَارِجَ قاعة الانتظار كانت حوائجُ السير <<موهان>> مُكدسَة على طول السور. وعلى حقيبة حديدية رمادية صغيرة كانت تَجلِسُ <<لاَشْمِي>>، السيدة <<موهان لال>>، وهي تمضغُ ورقة من التنبول وهي تتروحُ بإحدى الجرائد. كانت قصيرةً وغليظة، كانت في سنّ الأربعينيات، وكانت تلبس <<ساري>>(2) أبيض وَسِخا بِحَاشيةٍ حمراء. على جانب أحد مِنْخَرَيْها كان يلمع خاتَمٌ صغيرٌ مُزَينٌ بالماس، وكانت لديها دَمالج ذهبية كثيرةٌ في مِعصَمَيْها. كانت منهمكةً في التحدث مع الخادم قبل أن يُناديه السير <<موهان>>. وبمجرد ما أن انصرف الخادمُ حتى نادت على حَمال (آسيويّ) يشتغل في المحطة، كان عابراً.

-<<أين تتوقف <<الزينانا>>(3)؟

- <<في أقصى الرصيف بالضبط>>.

بسط الحَمّال عِمَامَتهُ كي يجعل منها وِسادة، ورفَع الحقيبة الحديدية واضعا إياها على رأسه مُتّجها نحو أقصى الرصيف. جمعت الليدي <<لال>> قَصْعَتَهَا النحاسيّة ذات طوابق عدة وسارت خلفه. توقفت السيدة في الطريق أمام بَسْطَة بضائع كي تملأ علبتها الفضية بأوراق التنبول، ثم لحِقتْ بالحَمّال. جلستْ على الحقيبة الحديدية التي وضعها الحَمّال على الأرض، وطَفِقت تثرثر معه:

- <<هل تغُصّ القطارات بالناس على هذه الخطوط؟>>

- <<كل القطارات، في أيامنا هذه، غاصّةٌ، ولكنكِ سَتَجِدين مكاناً في مقصورة النساء <<زينانا>>>>.

- <<إذاً فَمَا عَلَي سوى أن أتخلّص من هاجس الأكل>>.

فتحت الليدي <<لال>> قصعتها النحاسيّة، مُخرِجَة منها ما هيّأته من الطعام. وبينما كانت منهمكة في الأكل كان الحمّالُ القاعد على أمامها يرسم خطوطاً على الحصى بأصبعه.

- <<هل تسافرين وحدكِ يا أختاه؟>>

- <<لا، أنا مع زوجي، يا أخي. وهو موجود في قاعة الانتظار. ويسافر في الدرجة الأولى. فهو وزيرٌ (من علية القوم)؛ ويلتقي بكثيرٍ من موظّفي الدولة، ومن الإنجليز في القطارات، وأما أنا فلستُ سوى امرأة عادية من البلد. لا أتحدث باللغة الإنجليزية وأجهل عاداتهم؛ ولهذا فأنا أسافر في مقصورة النساء من الدرجة الثانية>>.

وَاصَلَت <<لاشمي>> الثرثرة بِمَرَحٍ. كانت تُحِبّ التحدث مع الناس، ولكن لم يكن معها أحدٌ لتناول الحديث. فلم يكن زوجُها يملكُ، أبداً، وقتاً فارغاً يُكَرسه لها. كانت تسكن في الطابق الأول من المنزل في حين كان هو يسكن في الطابق الأرضيّ. ولم يكن يُحِبّ أن يرى فقراءَ الناس الأُمّيين من عائلته وهم يجوبون بيتَهُ، فَهُم لذلك لا يأتون أبداً. يكتفي بإعطائها أَوَامِر باللغة الهندوستانية برنّات إنجليزية فَتُطيع باستِكَانة. يصعد عندها من حين لآخَر، ولا يلبث عندها إلاّ بضع دقائق. ولكنّ هذه الزيارات الليلية لم تُؤتِ ثمارها بعدُ.

هبطت الإشارةُ وَرَن الجَرَسُ، مُعْلِناً اقتراب القطار. أسرعت الليدي «لال« في التهام الطعام. نهضتْ من جلستها وهي تمصّ نَوَاة الشوْتِني بِالمَنْغَا. صدرت عنها تجشئةٌ طويلةٌ ومجلجلة وهي تتجه إلى صنبور الماء العمومي كي تَتَمَضْمَضَ وتغسل يدَيْها. بمجرد ما أن انتهتْ من هذه الوضوءات مَسَحتْ فمها ويَدَيْها بالجزء المتدلّي من ثوبها السّاري وعادت صوب حقيبتها الحديدية، وهي تتجشّأ وتشكر الآلهة على نعمة هذا الغذاء اللذيذ.

ولج القطار البخَاري إلى المَحَطة. كانت <<لاَشْمِيد>> في مواجهة مقصورة <<زينانا>> الفارغة تقريباً، الموجودة بالقرب من مقصورة مؤخرة القطار المُخَصص لِحُرّاس القِطَار. وأما باقي القطار فقد كان غاصّا بالمسافرين. رفعت السيدةُ جِسْمَهَا القصير والسمين والمُعيق، وأدخَلَتْهُ من خلال الباب وعثَرَت على مكانٍ بالقرب من النافذة. أخرجتْ طَرَفاً من ورقة مالية من فئة 2 أناس من عُقْدة في ثوبها ومَنَحَتْها للحمّال. بعدها فتحتْ علبة التنبول، وأعدّت لنفسها ورقَتَيْن من العجين الأحمر والأبيض، سحَقتْ نواة التنبول وحبّات القَاقُلة (الهال). أدخلتْ كلّ هذا الخليط في فمها حتى انتفختْ وجنتاها معاً. ثمّ وضعتْ معطفها على يديها وظلتْ جالسة تتأمّلُ حركة وجلبة الجمهور على الرّصيف.

لم يُعكرْ وُصول القطار من دَم السير <<موهان>> البارد. فقد وَاصَل احتساء كأس الويسكي، وطلب من الخادم أن يُعْلِمَهُ عندما تكون حوائجُهُ موضوعةً في مقصورة الدرَجَة الأولى. فقد كان التهيّجُ والإثارةُ والعَجَلَةُ تعبيرا عن تربية سيّئة، بينما كان السير <<لال>>، بطبيعة الحال، ذا تربية جيدة. كان يريد أن يكون كل شيء (tichety-boo)(5) وفي منتهى الأناقة وفي كامل النظام. فخلال السنوات الخمس التي قضاها السير «لال« في الخارج حصل على طرق وعادات الطبقات الاجتماعية العليا. فقد كان، نادراً، ما يتحدث اللغة الهندوستانية. وحين كان يَحصُلُ له أن يتحدثها، فقد كانت لكْنَتُه شبيهةً بإنجليزي: فَلَمْ يكُنْ يستخدم إلاّ الكلمات الضروريّة والتي تخترقها رنّات إنجليزية. ولكنه كان يستمتع بإنجليزيته المُنْجَزَة والمتأنقة التي لم تَكُنْ أقل من إنجليزية <<أوكسفورد>>. كان يعشق تبادل الحديث، ومثل رجل إنجليزيّ مُثَقف، كان قادراً على التحدث عن أي موضوع وعن أي كِتَاب وعن أيّ سياسة وعن أيّ شخصية. وكم من مرّة تناهت إلى سمعه أصوات إنجليز وهم يقولون عنه إنه يتحدث الإنجليزية مثل أي مُواطِن إنجليزيّ.

تَسَاءَل السير <<موهان>> حول ما إذا كان سيسافر وحده. فقد كانت توجد بالمدينة ثكنةٌ عسكرية. وربما سيَتَوَاجَدُ ضبّاطٌ في القطار. كان قلبُهُ يَهيج  عند فكرة بدء حديث سيكون له وَقْعٌ ما. لم يَكُن يُبِينُ أدنى طمع في التحدث مع الإنجليز، كما هو شأنُ الهنود. لم يكن يتحدّثُ بصوتٍ عالٍ ولا بِطَريقة عدوانية وعنيدة ولَجوجة كما يفعل الهنودُ. وَاصَل الاهتمامَ بما كان يفعل برباطة جأش لا تتزحزحُ. انزوى في ركن المقصورة بالقرب من النافذة وأخرج نسخة من صحيفة <<التايمز>>.Time طواها بطريقة تسمح بِبُرُوز العنوان بالنسبة للآخَرين في الوقت الذي كان فيه منهمكا في إنجاز الكلمات المتقاطعة. فجريدة <<التايمز>> لن تتأخر في إثارة الانتباه. أحد الرُكّاب ربما سيطلبُ استعارَتَهَا منه، حين سَيَضَعُها جانِباً بِحَركَةٍ يُفْهَمُ منها أنّ لِسَان حالِهِ يقولُ <<لقد انتهيتُ منها!>>. ربما سيَتَعَرفُ أحدُهُم على ربطة عُنُقِهِ حينما كان طالبا في ثانوية <<باليول>> Balliol، والتي كان يَضَعُهَا على عنقه دائما أثناءَ السفَر. ستفتح هذه الأشياء مَنْظَراً شامِلا يقود إلى الانفتاح على عالم سحريّ وعجيب، على المدرسة وعلى <<أوكسفورد>> وعلى مُدَرسِيه وعلى أساتِذَتِهِ الجامعيين وعلى مباريات الكرة المستطيلة <<الروكبي>> وعلى مسابقات الزوارق. وإذا ما فشلت قضية ربطة العنق وصحيفة <<التايمز>>، فإنّ السير <<موهان>> سيصرخ: <<هَلْ يُوجَد أحدٌ مَا هنا!>> للنادل كي يُحضِرَ لَهُ <<سكوتش>>، فالويسكي يَتَلاَءَمُ، بِشَكلٍ دائم، مع الإنجليز! ثمّ يُتْبِع هذا بِحَاملة السجائر المصنوعة من الذهب والتي يملأها السير <<موهان>> بالسجائر البريطانيّة. سجائر بريطانية في الهند؟ كيفَ استطاعَ الحصولَ عليها؟ حينها سَتَنْفَلِتُ ابتسامةٌ متواطئة من السير <<موهان>>. بطبيعة الحال، بكلّ سرور. ولكن هل سيستطيع هذا المُسافر البريطانيّ أن يكون وَاسِطَة كي يُشاركَ عزيزتَه بريطانيا العجوز الشعور والعاطفة؟ خمس سنوات من مَحَافِظَ رمادية، من المَلابِس، ومن الستْرَات الرياضية، ومن الويسكي مُضَاعَف المخلوط بالماء، ومن العَشاءات في <<إينس أُوف كورت>> Inns of Court والليالي مع مومسات <<بيكاديلّي>>.Piccadilly خمس سنوات من حياة صاخبة برّاقة مليئة جدّا. إنّ قيمتها أكبرُ من قيمة خمس وأربعين سنة في الهند مع مُواطِنِيهِ، هؤلاء الوَسِخِين والسوقيّين وهذه التفاصيل السافلة والدنيئة كيْ يتَوَجّهَ نحو النّجاح، وزياراته الليليّة في الطابق الأوّل ولقاءاته الجنسية السريعة جِدّا مع <<لاشمي>> العجوز والبدينة والتي تَنْضَحُ بالعَرَق وبِرَائحة البصَل النيء.

أَرْبَكَ الخادمُ أفكار السير <<موهان>> حين أعلنَ له وضع حوائج الصاحب(6) في عَرَبةٍ في الدرجة الأولى بالقرب من القاطرة. التحقَ السير <<موهان>> بعربته في مشية مدروسة. وكمْ أُصِيبَ بالذهول حين وَجَدَ المقصورةَ فارغةً. أَصْدَرَ تنهيدةً، وجَلَس في ركنٍ وفتح نسخته من صحيفة <<التايمز>> التي كان قد انتهى من قراءتها مرّات ومرّات.                             

نظر السير <<موهان>> عبر النافذة إلى الرصيف العاجّ بِالبَشَر. أَشْرَقَ وجهُهُ حين أبصَرَ بريطانِيَيْن يتنقلان من مقصورة إلى أخرى، بحثا عن مكان. كانت حقيبتاهما مشدودَتَيْن إلى ظهْرَيْهِمَا، وكانا يتمشّيان بخطى ثابتة. قررَ السير <<موهان>> أن يستقبلهما في مقصورته بالرغم من أنه لاَ يَحِق لهما السّفر في الدرجة الأولى. سوف يتحدث مع الجابي.

وَصَلَ أحدُ الجنود إلى المقصورة الأخيرة، مررَ رأسه عبر النافذة. فَلاَحَظَ مقعداً شاغرا، فصاح:

- <<زبيل>> يوجد مكان هنا!>>

التحق به رفيقه، نظر هو الآخر ولَمَحَ السير <<موهان>>.

تمتم في اتجاه رفيقه:

- <<أَخْرِجْ هذا الزنجي الصغير من هنا!>>  

فَتَحَا البابَ واستَدَارَا نحو السير <<موهان>> الذي كان وجْهُهُ مُوَزّعاً ما بين ابتسامة واحتجاج.

صاح <<بيل>>:

- إنّ المقعد محجوزٌ!

قال <<جيم>> وهو يشير بإصبعه إلى القميص الكاكي:

- المقعد محجوزٌ. الجيش.

حاول السير <<موهان>> أن يَحْتَج بِلَكنة أوكسفورد:

- <<أعتقد، أعتقد. بكل تأكيد...>>

تَوَقفَ الجنديان. كانت اللكنةُ تَرِن تقريباً مثل كلام الإنجليز، ولكنّ الجُندِيَيْن كانا واثِقَيْن جِدّا من نَفْسَيْهِمَا بحيث لم يُصَدقَا أُذُنيهما المُنْتَشِيَتَيْن. صفّرت القاطرةُ ولَوحَ الحارسُ بِعَلَمٍ أخضرَ.

جمع الجنديان حقيبة السير <<موهان>> وأَلْقَيَا بِهَا على الرصيف. ثم أتْبَعَاهَا بكظيمته(قارورة حفظ الحرارة)، وبفوطته وبصحيفة <<التايمز>>. كان السير <<موهان>> ممتَقِعاً من الغضب والغيظ.

صاح السير <<موهان>> بصوت كَسرَهُ الغضبُ:

- <<هذا أمرُ لا يُصَدقُ، لا يُصَدقُ! سوف أُوقِفُكُمَا. أيّها الحارس، أيها الحارس!>>

تَوَقفَ <<جيم>> و<<بيل>> من جديد. كان صوت <<موهان>> يرنّ مثل اللغة الإنجليزية، ولكنه كان نوعا من لُغة إنجليزية أرستقراطية في نَظَرِهِمَا.

قال <<جيم>> وهو يَضْرِبُ السير <<موهان>> في وجهه:

- <<أَغْلِقْ فَمَكَ!>>  

أَصْدَرَت القاطرةُ صفيراً آخَرَ قصيرا، فَتَحَركَ القطارُ. أَمْسَكَ الجنديان بِذِراعي السير <<موهان>> وأَلْقَيَا بِهِ بعيداً عن المقصورة. تَرَنح إلى الخلف وتعثر على فوطته وسقط على حقيبته.

- كوكو ريكو!

ظلتْ رِجْلاَ السير <<موهان>> ملتصِقَتَيْن بالأرض وفَقَدَ القدرة على الكلام. ثبتَ بِعَيْنَيْهِ أضواءَ القطار المتراقصة التي كانتْ تَمُر على طُولِ الرّصيف على إيقاع متصاعد. المقصورة الأخيرةُ ظهرت بضوء فانوسها الأحمر وبالحارس الذي كان واقفا خارج المنصّة المُسَطحَة الخلفية، والأعلامُ بِيَدِهِ.

في مقصورة <<زينانا>> كانت تجلس <<لاَشْمِي>>، البدينة، مرتاحةً، بِخَاتَمِهَا في أنفها، الخاتَمَ المُزَين بالماس الذي كان يلمع على مصابيح المحطة. كان فَمُهَا ممَلِوءاً بِرِيقِ التنْبُول، الذي كانت قدْ تَبَضعَتْهُ كيْ تُبْصِقَهُ بمجرد ما يغادر القطارُ المحطة. وبينما كان القطارُ يُضاعِفُ من سرعته على طول الجزء المضاء من رصيف المحطة، كانت الليدي <<لال لاَشِمي>> تُبْصِقُ وتُرْسِلُ قذيفةً مِن رِيقٍ أَحْمَر يَتَطَايَر مثل رِيشَةٍ.

الهوامش

1 - كارْمَا: قَدَر، جبرية: عقيدة أساسية في الديانة الهندية تقول بأنّ كلّ عمل أو تصرف يَصدُر عن الإنسان هو مُقَدرٌ له. 

2 - لباس قومي هندي.

3 - مقصورة مخصصة للنساء.

4 - نبيل، كان يدلّ في الماضي على وزير <<الماهاراجاه>>.

5 - تعني: على ما يُرامُ.

6 - كلمة تعني: الرجل المهمّ. وهو هنا بطل هذه القصة.
 
للكاتــب الهنــــدي
<<وشوانت سينغKhushwant Singh  >>
تقديم وترجمة: محمد المزديوي
  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...