ظاهرة أدبية عربية في الغرب اسمها علاء الأسواني
رؤوف مسعد يعتبره عنصرياً وإلياس خوري يصفه بـ «التجاري»
|
باريس: محمد المزديوي
لم يكن علاء الأسواني يحتاج إلى جائزة نوبل، على غرار نجيب محفوظ، كي يكتسح قطاعات شاسعة من القراء الفرنسيين والغربيين، ولا كي يفرض اعتراف واحترام النقد الغربي له. ولم يكن الأسواني يحتاج أيضا إلى الكتابة بالفرنسية، ولا أن يرتبط بصداقات مع كبار الكُتّاب العالميين من طراز هنري ميلر أو الفنانين السينمائيين الفرنسيين من قبيل بيكولي أو الراحل فيليب نواري، كما هو شأن الروائي المصري ألبير قصيري. كان يكفي هذا الروائي المصري، انغماسه العميق في الحياة اليومية في بلده، وتأمينه مصدر رزق مضمون، وهو عمله كطبيب أسنان، بالإضافة إلى إيمانه بدور الأدب لقراءة تاريخ مصر الحافل وأيضا بدور الأدب كمُحرِّك أو كترمومتر لقياس نبض الشارع المصري (والعربي والعالم ثالثي من ضحايا الاستعمار)، بعيدا عن كل نزعة عنفية أو انقلابية. كانت تكفيه هذه الأشياء بالإضافة إلى أسلوب حكواتي أخّاذ، ليقّدم لنا قراءته الشخصية لتاريخ وواقع مصر. وهو، ربما، ما استدعى هذا الاحتفاء الغربي به، والذي تجلى بأبهى اشكاله بعد صدور ترجمات روايته "شيكاجو".
في ندوة الرواية العربية الأخيرة التي عقدت في باريس (اليونسكو) والتي أشرف عليها الكاتب والروائي المغربي الذي لا يعرف الكلل محمد برادة، تعرض الكاتب المصري علاء الأسواني لتهجمات من قبل بعض الروائيين الذين اعتبروا روايته تجارية، بل وذهب الأمر بالروائي المصري رؤوف مسعد إلى الزعم بأن في رواية "عمارة يعقوبيان" تحامل عنصري على المسيحيين. وتمنى الروائي إلياس خوري لو أن الروايات "الهادفة" (أي غير التجارية) تعرف بعضا من نجاحه(التجاري!).
لا يمكن للقارئ العربي، وخصوصا المقيم في الغربة إلا أن يشعر بالغبطة من هذا الكاتب المَرِح وهو يدافع عن أفكاره بفرنسية رائعة، وبحسّ منطقي يقلّ نظيره عند أقرانه من العرب، الذين يُغيّرون طباعهم وجلودهم حين يكونون في الغرب، فينتجون خطابا مزدوجا: يقدمون خطابا للاستهلاك الداخلي، وآخر للانفتاح على الآخر (الغربي المتفوق) المختلف.
روايته الأولى "عمارة يعقوبيان" التي عرفت نجاحا شعبيا عربيا(من قبل القرّاء) على الرغم من فتور النقد والتعليق الأدبيين العربيين، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي، عرفت نجاحا لا يقل عنه قوة، وأثارت إعجاب النقد الأدبي الصحافي في فرنسا حين تُرْجِمَت إلى لغة موليير، فلم تبخل عليها بالتقريظ والإشادة. كما أن الفيلم أيضا (الذي أنجزه مروان حامد) تلقى قبولا كبيرا، إلى درجة أن البعض رأى في مشاركة الكثير من نجوم السينما المصريين فيه فرصة لهم للظهور وتعرّف المشاهد الغربي عليهم أكثر مما هو تعريف إضافي بالروائي.
حظي الأسواني، خلال زيارته الفرنسية الأخيرة، باستقبال لافت، وكان ضيف العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية، وعرف كيف يخرج سالما معافى من كل المصائد والفخاخ التي نصبت له، وقدّم صورة مشوقة للمثقف العربي البعيد عن التعصب ولكن الشرس في دفاعه عن الحقوق ورفضه لكل كيل بمكيالين.
وكم كانت طريقته موزونة في الرد، في البرنامج الثقافي الفرنسي الجاد:Ce soir ou jamais الذي يشرف عليه فريديريك تاديي Frédéric Taddei [هو من بين البرامج النادرة في المشهد السمعي البصري الفرنسي التي تسمح للعرب والأفارقة بالدفاع عن مواقفهم..] تثير الإدهاش، وخصوصا إزاء الكاتب الصهيوني مارك ويتزمان Marc Weitzman الذي انسحب من مجلة "ليزانروكيبتيبل" الثقافية اليسارية، والتحق بملحق الكُتُب في صحيفة لوموند اليمينية (نقول يمينية لأنها ساندت ساركوزي في حملته الانتخابية). الكاتب الفرنسي الصهيوني أراد حشر الكاتب المصري في مسألة الناصرية وحقوق الإنسان. ولكن الأسواني، كان يعلق بطريقة لا تخلو من ثبات موقف وألمعية تثير الدهشة. "أنا طبيب، وأعرف أن ثمة مرضاً وثمة مضاعفات لهذا المرض، والأجدى بالنسبة للطبيب هو أن يقاوم المرض وليس المضاعفات!". أي شيء يقل قوة من تأكيد الكاتب(الذي لا يمكن أن يزايد على مواقفه السياسية والإنسانية أحدٌ، إذ أنه ينشط من خلال "كفاية") أنه "يناضل ضد الخوف، وضد اللاتسامح". لم يأتِ الكاتب ليدافع عن نظام سياسي معين، وإنما وضع نصب عينيه إفلاس المشروع السياسي العربي، وازدياد البؤس والاستبداد وغطرسة الأمريكي. "ثمة فرق كبيرٌ بين الشعب الأمريكي وبوش"، كان هذا من بين الردود على أسئلة ويتزمان الماكرة. كانت التابوهات والمحرّمات تسقط من قاموسه ومن حديثه: "كل شيء يمكن أن يخضع للمساءلة: الديكتاتورية، الاستبداد وكذا التفاوتات الطبقية والمُحرّمات الأخلاقية، إلخ" قد يقول البعض إنّ روايته الأولى "عمارة يعقوبيان" أقوى، من الناحية الأدبية، من روايته الجديدة "شيكاغو" (الطبعة العربية التاسعة)، ولكنه ليس الكاتب الوحيد في مثل هذه الحالة. وليس من شكّ، فيما يرى معظم النقاد الفرنسيين، أن الكاتب يواصل بنفس الأسلوب بناء معماره الروائي. ولا يختلف الأمر في الروايتين، حيث العوالم تعجّ بشخصيات متنافرة ومتصادمة، شخصيات تريد الانفتاح في هذه الألفية الجديدة وشخصيات أخرى تريد التقوقع والانزواء في الماضي. الأسواني يحب شخصياته، بقوة، وإنْ كان ثمة من يمكن أن يُقَارَنَ به في هذا الحب النبيل، فهو الأمريكي الكبير "جيم هاريسون" الذي اعترف في أحد حواراته أنه بكى لساعات طويلة حين تطلّب الأمر (الروائي) قَتْل إحدى شخصياته.
الأسواني يكتب عن عمق مصر، عن شخصيات مصرية أصيلة، عن الشجن الوطني، ولكنّه واع، بأن كل شيء أصبح متصلا ومتداخلا. الاستعمار مسؤول عن بعض ما "يحدث في مصر، الآن"، وعن "الحرب في برّ مصر". يستخدم الكاتب تعبيرات قادمة من أدبيات اليسار المتقادم، ومن بينها تعبير "الامبريالية"، ويُدينها، ويستحضر شخصيات تاريخية يعتبرها نبيلةً مثل تشي غيفارا، الذي يحتفل أنصاره في العالم، بمرور 40 سنة على مقتله. على الرغم من هذا الانشغال بـ"المحلّي"، فالأسواني لا ينسى "العالمي" إذْ يؤثر فينا. وعلى غرار الكثير من الروائيين العالميين الذي كتبوا، عن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، التي غيّرت من مجريات العالم، فهو يقدّم مساهمته في هذا الأمر.
لم يكن علاء الأسواني يحتاج إلى جائزة نوبل، على غرار نجيب محفوظ، كي يكتسح قطاعات شاسعة من القراء الفرنسيين والغربيين، ولا كي يفرض اعتراف واحترام النقد الغربي له. ولم يكن الأسواني يحتاج أيضا إلى الكتابة بالفرنسية، ولا أن يرتبط بصداقات مع كبار الكُتّاب العالميين من طراز هنري ميلر أو الفنانين السينمائيين الفرنسيين من قبيل بيكولي أو الراحل فيليب نواري، كما هو شأن الروائي المصري ألبير قصيري. كان يكفي هذا الروائي المصري، انغماسه العميق في الحياة اليومية في بلده، وتأمينه مصدر رزق مضمون، وهو عمله كطبيب أسنان، بالإضافة إلى إيمانه بدور الأدب لقراءة تاريخ مصر الحافل وأيضا بدور الأدب كمُحرِّك أو كترمومتر لقياس نبض الشارع المصري (والعربي والعالم ثالثي من ضحايا الاستعمار)، بعيدا عن كل نزعة عنفية أو انقلابية. كانت تكفيه هذه الأشياء بالإضافة إلى أسلوب حكواتي أخّاذ، ليقّدم لنا قراءته الشخصية لتاريخ وواقع مصر. وهو، ربما، ما استدعى هذا الاحتفاء الغربي به، والذي تجلى بأبهى اشكاله بعد صدور ترجمات روايته "شيكاجو".
في ندوة الرواية العربية الأخيرة التي عقدت في باريس (اليونسكو) والتي أشرف عليها الكاتب والروائي المغربي الذي لا يعرف الكلل محمد برادة، تعرض الكاتب المصري علاء الأسواني لتهجمات من قبل بعض الروائيين الذين اعتبروا روايته تجارية، بل وذهب الأمر بالروائي المصري رؤوف مسعد إلى الزعم بأن في رواية "عمارة يعقوبيان" تحامل عنصري على المسيحيين. وتمنى الروائي إلياس خوري لو أن الروايات "الهادفة" (أي غير التجارية) تعرف بعضا من نجاحه(التجاري!).
لا يمكن للقارئ العربي، وخصوصا المقيم في الغربة إلا أن يشعر بالغبطة من هذا الكاتب المَرِح وهو يدافع عن أفكاره بفرنسية رائعة، وبحسّ منطقي يقلّ نظيره عند أقرانه من العرب، الذين يُغيّرون طباعهم وجلودهم حين يكونون في الغرب، فينتجون خطابا مزدوجا: يقدمون خطابا للاستهلاك الداخلي، وآخر للانفتاح على الآخر (الغربي المتفوق) المختلف.
روايته الأولى "عمارة يعقوبيان" التي عرفت نجاحا شعبيا عربيا(من قبل القرّاء) على الرغم من فتور النقد والتعليق الأدبيين العربيين، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي، عرفت نجاحا لا يقل عنه قوة، وأثارت إعجاب النقد الأدبي الصحافي في فرنسا حين تُرْجِمَت إلى لغة موليير، فلم تبخل عليها بالتقريظ والإشادة. كما أن الفيلم أيضا (الذي أنجزه مروان حامد) تلقى قبولا كبيرا، إلى درجة أن البعض رأى في مشاركة الكثير من نجوم السينما المصريين فيه فرصة لهم للظهور وتعرّف المشاهد الغربي عليهم أكثر مما هو تعريف إضافي بالروائي.
حظي الأسواني، خلال زيارته الفرنسية الأخيرة، باستقبال لافت، وكان ضيف العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية، وعرف كيف يخرج سالما معافى من كل المصائد والفخاخ التي نصبت له، وقدّم صورة مشوقة للمثقف العربي البعيد عن التعصب ولكن الشرس في دفاعه عن الحقوق ورفضه لكل كيل بمكيالين.
وكم كانت طريقته موزونة في الرد، في البرنامج الثقافي الفرنسي الجاد:Ce soir ou jamais الذي يشرف عليه فريديريك تاديي Frédéric Taddei [هو من بين البرامج النادرة في المشهد السمعي البصري الفرنسي التي تسمح للعرب والأفارقة بالدفاع عن مواقفهم..] تثير الإدهاش، وخصوصا إزاء الكاتب الصهيوني مارك ويتزمان Marc Weitzman الذي انسحب من مجلة "ليزانروكيبتيبل" الثقافية اليسارية، والتحق بملحق الكُتُب في صحيفة لوموند اليمينية (نقول يمينية لأنها ساندت ساركوزي في حملته الانتخابية). الكاتب الفرنسي الصهيوني أراد حشر الكاتب المصري في مسألة الناصرية وحقوق الإنسان. ولكن الأسواني، كان يعلق بطريقة لا تخلو من ثبات موقف وألمعية تثير الدهشة. "أنا طبيب، وأعرف أن ثمة مرضاً وثمة مضاعفات لهذا المرض، والأجدى بالنسبة للطبيب هو أن يقاوم المرض وليس المضاعفات!". أي شيء يقل قوة من تأكيد الكاتب(الذي لا يمكن أن يزايد على مواقفه السياسية والإنسانية أحدٌ، إذ أنه ينشط من خلال "كفاية") أنه "يناضل ضد الخوف، وضد اللاتسامح". لم يأتِ الكاتب ليدافع عن نظام سياسي معين، وإنما وضع نصب عينيه إفلاس المشروع السياسي العربي، وازدياد البؤس والاستبداد وغطرسة الأمريكي. "ثمة فرق كبيرٌ بين الشعب الأمريكي وبوش"، كان هذا من بين الردود على أسئلة ويتزمان الماكرة. كانت التابوهات والمحرّمات تسقط من قاموسه ومن حديثه: "كل شيء يمكن أن يخضع للمساءلة: الديكتاتورية، الاستبداد وكذا التفاوتات الطبقية والمُحرّمات الأخلاقية، إلخ" قد يقول البعض إنّ روايته الأولى "عمارة يعقوبيان" أقوى، من الناحية الأدبية، من روايته الجديدة "شيكاغو" (الطبعة العربية التاسعة)، ولكنه ليس الكاتب الوحيد في مثل هذه الحالة. وليس من شكّ، فيما يرى معظم النقاد الفرنسيين، أن الكاتب يواصل بنفس الأسلوب بناء معماره الروائي. ولا يختلف الأمر في الروايتين، حيث العوالم تعجّ بشخصيات متنافرة ومتصادمة، شخصيات تريد الانفتاح في هذه الألفية الجديدة وشخصيات أخرى تريد التقوقع والانزواء في الماضي. الأسواني يحب شخصياته، بقوة، وإنْ كان ثمة من يمكن أن يُقَارَنَ به في هذا الحب النبيل، فهو الأمريكي الكبير "جيم هاريسون" الذي اعترف في أحد حواراته أنه بكى لساعات طويلة حين تطلّب الأمر (الروائي) قَتْل إحدى شخصياته.
الأسواني يكتب عن عمق مصر، عن شخصيات مصرية أصيلة، عن الشجن الوطني، ولكنّه واع، بأن كل شيء أصبح متصلا ومتداخلا. الاستعمار مسؤول عن بعض ما "يحدث في مصر، الآن"، وعن "الحرب في برّ مصر". يستخدم الكاتب تعبيرات قادمة من أدبيات اليسار المتقادم، ومن بينها تعبير "الامبريالية"، ويُدينها، ويستحضر شخصيات تاريخية يعتبرها نبيلةً مثل تشي غيفارا، الذي يحتفل أنصاره في العالم، بمرور 40 سنة على مقتله. على الرغم من هذا الانشغال بـ"المحلّي"، فالأسواني لا ينسى "العالمي" إذْ يؤثر فينا. وعلى غرار الكثير من الروائيين العالميين الذي كتبوا، عن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، التي غيّرت من مجريات العالم، فهو يقدّم مساهمته في هذا الأمر.
تعليقات
إرسال تعليق