تودوروف يكتب عن إدوارد سعيد:بورتريه متحيز
ترجمة: محمد المزديوي
التقيت إدوارد سعيد في سنوات السبعينات في جامعة كولومبيا بنيويورك. كنت أرتادها مرة كل ثلاث سنوات وكنت ألقي فيها محاضرات في قسم الأدب المقارن حيث كان يدرس إدوارد سعيد. تعرفت عليه سنة 1974، ولكننا لم نصبح صديقين إلا سنة .1977 أريد أن استحضر الانطباع الذي تولد عن هذا اللقاء دون أن نخطط للقاءات التي ستليه.لدينا قواسم مشتركة يمكنها أن تقرب ما بيننا. ولد سنة 1935، وهو يكبرني بأربع سنوات، وهو فارق ليست له كبير أهمية في عمرنا.كان قد نشر كتابه الأول 'جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية' من أطروحة دكتوراه، في سنة 1966، أما كتابي الأول، وهو عبارة عن أطروحتي المعدلة، فقد ظهر سنة .1967 كان يهتم بالنقاشات 'النظرية' كما كنا نطلق عليها حينها، والتي كان يثيرها بعض النقاد والفلاسفة الفرنسيون، وقد ساهم فيها في كتابه الثاني 'البدايات' الذي يعود لسنة .1974 كنت منشغلا بتجديد الدراسات الأدبية، وكنا نستطيع أن نعثر علي لغة مشتركة.ولكن كانت ثمة خاصية مشتركة أكبر وأهم من سيرتينا: فقد كان كلانا مهاجرا، هو في الولايات المتحدة وأنا في فرنسا، مهاجران قادمان من بلدين واقعين علي هامش الغرب، هو القادم من فلسطين ومصر وأنا من بلغاريا. وهي مجموعة بلدان (مصر، فلسطين وبلغاريا) تفرق بينها مجموعة من القواسم ولكننا نعثر فيها علي نفس الإحساس بالقرب وبالدونية بالمقارنة مع أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية شعور يمكنه أن يولد خليطا من الحسد والغيرة ومن الضغينة.يضاف إلي ما سبق كون بلداننا يربط ما بينها قاسم خضوعها، في الماضي البعيد، لنفس الدولة، أي الأمبراطورية العثمانية. لم يمارس الأتراك سياسة الإدماج القسري، ولكن بعض أشكال الحياة كانت موجودة في هذا الطرف أو ذاك من الامبراطورية. هكذا اكتشفنا، بكثير من المفاجأة، تقاربا كبيرا بين تقاليدنا المتعلقة بالطبخ، الخيار (القتاء) باللبن الرائب والباذنجان وكريات اللحم الصغيرة... لاحقا وبعد أن قرأت سيرته الذاتية سأكتشف تقاطعا آخر لطرقنا. في سنة 1912 ستدخل الدولة البلغارية التي كان قد مضي علي استقلالها عن الوصاية العثمانية (الكلمة المكرسة باللغة البلغارية هي النير) خمسة وثلاثون سنة في أول حرب بلقانية ضد الأتراك. والد 'إدوارد سعيد' الذي كان يقيم بفلسطين، والتي كانت لاتزال تخضع للهيمنة التركية، سيتم استدعاؤه لقضاء الخدمة العسكرية واذا لمحاربة البلغار. منظور حزين سيجعله يغادر بلده ليلتحق بالولايات المتحدة وهنا سيحصل علي الجنسية الأمريكية. وهو ما سيوجه مصير وقدر ابنه، بعد أربعين سنة. هكذا ستشكل الإمبراطورية العثمانية ومعارضتها جزءا من إرثنا، معا أنا و'إدوارد سعيد'.إن كل المهاجرين يمتلكون شخصيات متعددة، لأنهم يعرفون القطيعة ما بين فترة سابقة وأخري لاحقة، ولكن كلينا عاش هذه التعددية علي طريقته. تعددية 'إدوارد سعيد' كانت معقدة بشكل خاص، ويحمل منها آثارا حتي في اسمه، حيث نصفه إنجليزي ونصفه الآخر عربي. كان ينحدر من بلد لا وجود له، عاش المنفي في مصر، وتلقي تعليمه في المدارس الانجليزية التي كانت موجهة لنخبة البلد ولكن بنية الاحتقار أو رفض الثقافة المحلية، ثم تعرض للمنفي للمرة الثانية في الولايات المتحدة حيث كان محل اعتراف من الجامعات الأمريكية الشهيرة، كما كان في نفس الوقت يشعر بالسخط والاستنكار للسياسة الخارجية للبلد.. لم يعد 'إدوارد سعيد' يعرف ما هي لغته الأصلية، العربية أم الانجليزية، لغة من تعرض للهيمنة أم لغة المهيمنين.إن الانتماء الموازي لعدة بلدان من 'الدرجة الثانية'، أو الانتماء لدول هامشية بالمقارنة مع الغرب، كان مسؤولا دونما شك عن التعاطف الذي كنت أحس به تجاه صديقي الجديد، ولكنه لم يكن الوحيد. لم تكن توجد لدي 'سعيد' أدني غطرسة، ولم يكن يعير أدني أهمية للأعراف ولا لعادات أو تقاليد الحياة الأكاديمية العزيزة علي قلوب زملاء آخرين (لايجب أن ننسي أن هذه العادات والتقاليد تحظي باحترام أقل في جامعة نيويورك بالمقارنة مع الجامعات الأخري). كان يحب المزاح والتنكيت وكان يعير أهمية كبيرة للصداقة.كانت تصرفاته تجسد البساطة، وكان الشخص الأكثر إخلاصا ومودة الذي التقيت به في هذا الوسط. كنا ننزل دونما حرج عنده وعند زوجته 'مريم' حتي حينما كنا مرفوقين بأبنائنا. مازلت أراه ولكن هذا يعود إلي عشر أو خمس عشرة سنة وهو يعدو في أثر أسرتنا الصغيرة في شوارع نيويورك كي يعيد إلينا رضاعة طفلنا الصغير التي نسيناها في شقته بعد سهرة حافلة.في هذه الأثناء كان 'إدوارد سعيد' رجلا في عجلة من أره بشكل دائم، أو كان بالأحري يعيش بسرعة تتجاوز سرعة معظم الرجال الآخرين، فقد كانت له نشاطات لاتحصي ولاتعد، وكان يتوجب عليه أن يسرع دائما كي يتفرغ للأشياء التي تلي دونما توقف. لم يكن يعرف القلق أمام الورقة البيضاء، ولم يكن يركن أبدا للعطل. لقد كانت السرعة قوته، إذ كان يعزف بشكل لافت علي البيانو، ولكني كنت أريد أن أراه يخفف قليلا من هذه السرعة، كان لاعبا جيدا للتنس، ولكنه كان يفضل لعب الاسكواش، لأن الكرة تعود بسرعة. وكان أحيانا يفتقد في علاقاته الإنسانية، أيضا، إلي الصبر.كان 'إدوارد سعيد' أيضا، من بين معظم زملائي في جامعة كولومبيا، من يلفت النظر بحضوره الجسدي. لم يكن فقط طويل القامة ولكنه كان يمتلك ذوقا للباس، فقد كان يرتدي صدريات لائقة من جلد الأبل، وأيضا كان يتحرك بأناقة ولباقة. ولدي رؤيته لم يكن من الوارد أن نخلط بينه وبين أحد من زملائه، هؤلاء الرجال الشاحبين والمتلاشين الذين يعطون الانطباع بأنهم يعيشون من أجل كتبهم فقط، وينزعون إلي أن يصبحوا عقولا خالصة. كان 'إدوارد سعيد' واقعيا، وكان أيضا جسدا، ولم يكن يريد أن يتجاهله.
النص والعالم
لقد كانت لهذا الخيار انعكاسات علي اشتغاله، وهو ما كان في حد ذاته استثناء، وعلي الرغم من مشاركته في الموجة الجديدة ل 'النظرية' في الدراسات الأدبية التي كانت في تعارض مع حالة سابقة من المقاربات التي كانت محض بيوغرافية وتاريخية أو إستيتيقية (جمالية) للنصوص، فقد كان قد بدأ في الابتعاد عنها وكان يتحدث عنها بنوع من السخرية. وسيفسر هذا لاحقا في كتاباته التي سيجمعها سنة 1983 في مجموعة نصوص بعنوان كاشف 'العالم والنص، والناقد' بعد عشرين سنة، وفي تصدير كتابه الأخير الذي جمع فيه مقالاته عن الأدب، 'تأملات في المنفي' سيتحدث عن هذه اللحظة من تاريخ وظيفتنا: 'في اللحظة التي كانت فيها 'النظرية' تحقق فتوحات فكرية في أقسام الأنجليزية والفرنسية والألمانية في الولايات المتحدة، كان مفهوم 'النص' يخضع لتحولات شبه ميتافيزيقية مقطوعة عن كل تجربة'.كنت قد ساهمت بدوري في تنشيط هذه المقاربات في العلوم الإنسانية، التي ندعوها بالبنيوية أو السيميوطيقية، والتي تتيح لنا، كما كنا نتصور، أن نحلل النصوص بشكل جيد، ولكن التي كانت، بحق، لا تهتم إلا نادرا بالعنصر الآخر الذي ظهر في عنوان 'إدوارد سعيد'، ألا وهو العالم. في هذه الفترة التي أتحدث عنها، والتي تدور حوالي سنة 1977، بدأت هذه الوضعية في إقلاقي، خصوصا وأنه بدأ ينتابني اليقين، منذ سنوات خلفت، بأنه يتوجب الحفاظ علي استمرارية ما بين الكائن والفكر، ما بين وجودي واشتغالي (وظيفتي). كنت أحس بالراحة إزاء الانتقادات التي بدأ' إدوارد سعيد' يوجهها إلي أصحابه 'المنظرين'.الأحداث التي دفعتني إلي هذا الاتجاه كانت شخصية محضة، وهي حصولي علي الجنسية الفرنسية في سنة 1973 وولادة ابني البكر سنة .1974 بينما كان الأمر مختلفا بالنسبة لإدوارد سعيد، فالحدث الذي غير طريقته في التفكير كان حرب الأيام الستة في سنة 1967، وهي حرب خرج فيها الفلسطينيون والمصريون مهزومين ومهانين من دون شك. كانت عائلة 'إدوارد سعيد' قد استقرت في مصر، وكان هو بنفسه يقيم بالولايات المتحدة منذ سنة 1951، ولكنه لم يكن قد تبني هذا المنظور السياسي قبل سنة .1967 بعد هذا التاريخ قرر أن تسير حياته علي مستويين منفصلين، ففي الجامعة أي في عالم المهنة لم يكن يشير أبدا إلي أصوله الفلسطينية وكان يتناول فيها بالتدريس كتابا أوروبيين أو أمريكيين، أما في حياته المدنية فقد كان ينخرط أكثر فأكثر، وبشكل قوي، في قضايا وطنه الضائع. لاحظت أنه في سنة 1977 التحق بالمجلس الوطني الفلسطيني، وهو برلمان المنفي لهذا البلد الذي لا وجود له. لم يتحدث إلي عن هذا، إذ لم أكن أنتمي إلي هذا العالم.يجب أن نضيف بأن هذا الانخراط السياسي كان بالنسبة له مسألة شخصية، إذ أن أبويه لم يكونا يكتفيان بعدم تشجيعه بل كانا يريدان ثنيه عن هذا الانخراط السياسي. يحكي 'إدوارد سعيد' أن أباه، وهو علي فراش الموت، في سنة 1971، حذره بالقول: إن وظيفتك هي الأدب. لماذا تهتم بالسياسة؟ إنك تخاطر بتلقي الكثير من الضربات! ستموت أمه بعد عشرين سنة من وفاة أبيه، ولكنها كانت توجه له، بشكل دائم، نفس النصائح: عد إلي الأدب، لا شيء يمكن أن ينبثق من السياسة العربية! ولكن 'إدوارد سعيد'سيلاحظ في سنة 1998 أنه 'فيما يخصني، كنت عاجزا عن أن أعيش حياة متحررة من أي التزام أو معلقة، إذ أني لم أتردد في اعلان انتمائي إلي قضية لاتحظي بأدني شعبية' غير أنه في لحظة التقائنا، كان 'إدوارد سعيد' قد عثر علي وسيلة لتقريب ومشابكة خيطي وجوده. لقد عثر محلل أعمال ومؤلفات الأدب الغربي والمنفي الفلسطيني علي أرضية مشتركة، وهي أن يقوم 'إدوارد سعيد' بدراسة الخطاب الغربي حول الشرق، وهو ما سيسميه ب 'الاستشراق'. هو نفس العنوان الذي سيأخذه كتابه الذي صدر سنة 1978 والذي سيساهم في إحداث قطيعة جديدة في مساره (بعد قطيعة 1967)، فمن الآن فصاعدا سيمكن لوجود 'إدوارد سعيد' وعمله المهني أن يتواصلا (من التواصل). الكتاب سيترجم إلي أكثر من ستة وثلاثين لغة! وسيؤثر بعمق علي دراسة العلاقات الثقافية ما بين الدول الكبري والمستعمرات.إن الأطروحة المركزية في كتاب 'الاستشراق' ليست هي ما اعتقدناه أحيانا من أنه من الضروري، بصيغة ما، إعادة الاعتبار لشرق قسا عليه مؤلفون غربيون شهيرون وإذا تصحيح صورة ما. الأطروحة كانت أكثر جذرية مما سبق، كانت تتعلق بالقول بأن 'الشرق' لم يكن موجودا، إلا من خلال فبركة، إلا من خلال تخييل ابتدعه الغربيون. هذا التأكيد يرتكز علي إثبات الحالة التي تري أن هذا التعبير، في البداية، كما هو حال التعابير التي يتم أستبدالها أحيانا بتعابير من قبيل 'عربي' أو 'مسلم'، تغطي تنويعات كبيرة من الوقائع مشتتة ومبعثرة في الزمن وفي المكان، كي يكون ممكنا أن تستخدم استخداما مثمرا. بالإضافة إلي هذا فإن المجتمعات التي يتم وصفها ب 'الشرقية' لم يكن لها أبدا وجود معزول، ولهذا فمن المستحيل أن نستخرج منها جوهرا خالصا، فمثلما هو الحال بالنسبة لكل المجتمعات، فإن ثقافتها (أي ثقافة المجتمعات 'الشرقية') هجينة، وهي منتوج لقاءات وتبادلات وتفاعلات لاتحصي ولا تعد. إن مفهومي' 'الشرق' أو 'الشرقي' لاينحدران من تعميم للوقائع التي نراها في هذا الجزء من العالم، ولكن من حاجة أحس بها الأوروبيون لتشيء هذا الآخر 'آخره'، بعيدا عنهم، هذا الاخر الذي هو في نفس الآن دفاع ومحل جاذبية غريبة، إن الخطاب حول الشرق يخبرنا ليس عن العالم الشرقي، وإنما عن مؤلفيه الغربيين.
الغرب تعميم
إن هذا هو ما يوضح التحليلات التي قام بها 'إدوارد سعيد' عن نصوص كان أصحابها كتابا أو رحالة ك 'شاتوبريان'، 'نيرفال' أو 'فلوبير'، أم كانوا سياسيين ك 'ديزرائيلي' و'كرومير'، 'بلفور' أم علماء ك 'سيلفيستر دو ساسي 'رينان أم حتي 'كارل ماركس. سيثير كتاب 'الاستشراق' كثيرا من ردود الفعل المعارضة، إن من قبل المستشرقين الغربيين أو من طرف القوميين الشرقيين، لأنه أنكر علي كلا الطرفين الحق في الحديث عن موضوع 'الشرق' وشكك في هويتهم ذاتها. وفيما يخصني أنا، فإن أحاديثنا حول هذا الموضوع، في سنة 1977، ثم قراءتي للكتاب في السنة التالية، أقنعتني بصحة ودقة العديد من التحليلات، فقد كان الخطاب 'الاستشراقي' في الواقع مشربا بكليشيهات تنتقل من مؤلف إلي آخر وتبسط إلي أقصي حد الشعوب أو الساكنات التي هي موضوع الدراسة. أنا الهجين ثقافيا، كنت أيضا مقتنعا بأن الهويات الوطنية أو الإثنية لاتصمد في مواجهة الامتزاجات والاختلاطات. في المقابل كنت أشعر بصعوبات أمام التأكيد الأول ل 'إدوارد سعيد' بخصوص استحالة التعميم انطلاقا من تجارب فردية. فإذا دفعنا هذه الفكرة إلي أقصي حد فإن هذا التحيز الاسمي (وحدهم الأفراد لهم وجود) كان سيجعل من المستحيل كل معرفة للثقافات. غير أنه إذا كان صحيحا وجود أفراد يختلفون فيما بينهم في أحضان ثقافة ما فمن الصحيح أيضا بأنهم يتقاسمون سمات عديدة تفقا العيون، وبشكل خاص، عيون المراقبين الأجانب (إنه امتياز 'النظرة البعيدة' التي يتحدث عنها 'كلود ليفي شتراوس). إن نظرة الرحالة والعلماء والساسة كانت واقعة، بالتأكيد، تحت تأثير أفكارهم المسبقة وحاجتهم إلي أن يخترعوا لأنفسهم' آخر'، ولكن ألا يمكن لهذه النظرة أن تتحدد، علي الأقل بصفة جزئية، من خلال موضوعها؟وإذا كان الجواب بالإيجاب، ألا يمكن لخطابهم أن يختزل إلي وضع العرض، وهو ما يعادل أن ننزع عنه كل قيمة حقيقية؟ أو إذا أردنا صياغة هذا التساؤل بصيغة أخري: في أي لحظة يصبح فيها التعميم لاشرعيا؟ ربما لايوجد من وجود ل 'الشرق'، وكذلك ل 'العربي'، ولكن هل توجد من مصلحة في الحديث عن مصريين؟ وعن سكان القاهرة؟ وعن عقلية حي أو شارع ما؟ لم يكن 'إدوارد سعيد' يريد طرح مثل هذا النوع من الأسئلة ولم يكن بوسعه أن يتساءل حول هذه الهويات، فهل هي متحركة وغير متجانسة: وإلا كان سيجاسر بالتعرض لمختلف أشكال التوبيخ واللوم التي وجهها هو بنفسه للمستشرقين. أكتفي 'سعيد' إذا بدراسة الغرب، غير أن الغرب هو أيضا تعميم!هذه التحفظات لم تمنعني من أن ألاحظ كيف كانت قراءة 'إدوارد سعيد' منعشة، وكذلك في أن أوصي وأنصح ناشري في تلك الفترة، 'دار لوسوي'، بطبع الكتاب. تم قبول فكرة طبع الكتاب، ووجدت في شخص 'كاترين مالامود' التي كنت أعرفها بشكل جيد، مترجمة مقتدرة وصارمة ومتحمسة، وهكذا ظهرت أول ترجمة لكتاب' الاستشراق' في سنة 1980 مصحوبة بتقديمي. أثناء هذه السنوات واصلت عملا موازيا حول النظر الذي يحمله رعايا ثقافة ما عن رعايا ثقافة أخري، وإذا عن الوحدة والتعدد الداخلي للنوع البشري، وهو عمل أثمر كتابي: 'غزو أمريكا' و'نحن والآخرون' الكتاب الأخير تمت ترجمته إلي الإنجليزية وصدر في سلسلة كان يشرف عليها 'إدوارد سعيد'.. وكما هو شأن 'أدوارد سعيد' كنت قد جعلت من شرطي كمهاجر موضوعا للتأمل ليس بطريقة مباشرة علي النمط الأتوبيوغرافي، ولكن تماثليا، من خلال اهتمامي بتجارب أخري مشابهة. ومن جهته سيواصل 'سعيد' ارتياد الطريق التي سبق له أن دشنها من خلال مؤلفات أخري من نوع 'تغطية الإسلام' والثقافة والإمبريالية'.
خيارات سياسية
هذه الانشغالات المتقاربة لم تخف عني سلسلة من الاختلافات ما بين المسار الذي أخذه فكر 'سعيد' ومساري أنا. إن الطريقة الأكثر بساطة لعرض هذه الاختلافات، ولكنها ليست الأكثر وجاهة بالضرورة، هي التذكير بتباين واختلاف تجاربنا السابقة، فحاضرا كنا معا مهاجرين، ولكنه في السابق، بينما قدمت من بلد من أوروبا الشرقية خاضع للسيطرة السوفياتية. كان لدي شعور بأن الصراعات بين الشرق والغرب، بين الشيوعية والديموقراطيات الليبيرالية تظل في نظر 'سعيد'، صراعا ما بين أغنياء، ما بين بيض، ما بين أوروبيين، ما بين مجموعتين تستحقان ألا يحكم علي أي منهما وأن تواجها معا ككتلة من قبل سكان الجنوب أو العالم الثالث، ممثلي صراع أكثر أهمية. إن ما كان يكتبه 'سعيد'، بشكل عابر، عن الصراع شرق غرب كان يبدو لي، في تلك الفترة ولاحقا، قليل الحساسية وقليل الوضوح والإضاءة، وكان يبدو لي، كذلك، متوج دوغما أكثر مما هو حصيلة لمعرفة عميقة.إنطلاقا من هذا، ظهرت إلي السطح اختلافات أخري. فالخصم المركزي، بالنسبة له، يدعي الإمبريالية، أوروبية كانت أم أمريكية، أما بالنسبة لي فالخصم المركزي هو التوتاليتارية، شيوعية كانت أم نازية. الكتاب الذين كان يحيل إليهم، بطيبة خاطر، كانوا 'لوكاش' و'غرامشي' و 'أدورنو' و 'فانون' و'فوكو'، بينما كنت أشعر بأن 'باختين' و 'يمونت' و 'بوبر' و'أرون و'فاسيلي غروسمان' و'جريمين تيليون' هم خير من يساعدني. لقد كانت القيمة الرئيسية لعالمه تتمثل في المساواة، في نفس الوقت كان يبدو أن طرح مسألة السلطة علي بساط البحث تراوده، والسلطة هنا بمختلف أنواعها، بينما كنت أتمسك وأتعلق، بشكل خاص، بالحرية الفردية وكنت أبحث عن طرق للتوافق. كان يحضرني الانطباع بأن 'سعيد' أمام النصوص الأدبية يهتم قبل كل شيء بمحور التواصل، من يتكلم وإلي من ولم وبأي غرض، وما هي الرهانات السياسية لهذا التفاعل. من جهتي كنت أدع جانبا الأسباب وتأثيرات الخطابات كي أركز فكري علي تأويلها كنت أقرأها قبل كل شيء، ليس كوسيلة للحركة أو الفعل، ولكن كطريق للوصول إلي الحقيقة. غير أن هذه الاختلافات، التي لا تقبل الجدل، لم تكن تعيق في شيء علاقات الصداقة بيننا. لست أدري إن كان 'إدوارد سعيد' قد انتبه إليها، وعلي كل حال فأثناء هذه اللقاءات التي كانت المسافات تجعلها نادرة في كل الأحوال، لم نكن نتحدث عنها أبدا، وكنا نفضل أن نركز علي ما يقرب بيننا.
عندي وطن أما هو فلا
ثمة اختلاف مركزي آخر في حياتنا السياسية ويتمثل في أن 'إدوارد سعيد' كان منخرطا بشكل نشيط في الصراع السياسي، وهو صراع يتوجب أن يقود إلي خلق دولة فلسطينية، بينما ظللت غريبا عن كل التزام من هذا النوع، علي الرغم من أن بلدي الأصلي، بلغاريا، كان ما يزال خاضعا لنظام كنت اعتبره بغيضا والذي كان، فضلا عن ذلك، مفروضا من الخارج، من قبل الاتحاد السوفيتي، في أدق التقاليد الامبريالية. كانت كل فكرة عن النضال ضد هذا النظام بالنسبة لي غريبة: جزئيا، دونما شك، لأني كنت أخشي العواقب علي أفراد عائلتي الذين مازالوا يسكنون البلد، جزئيا، أيضا، لأن هذا النظام الذي كان هو بنفسه يتماثل مع قضية التزام سياسي (من أجل الانتصار النهائي للشيوعية) جعلنا نحن مراهقي أوروبا الشرقية، عنيدين أمام كل حركة في المجال العمومي. في نفس الآن، أخطأنا فيما يخص صلابة وتماسك الحكومة البلغارية، كانت تبدو لنا وكأنها مقدرة أن تظل إلي الأبد، أو في كل الحالات لسنوات طويلة، خصوصا وأنها كانت مدعومة من قبل قوة قصية وعصية، وهي الاتحاد السوفيتي. لقد كان الكفاح ضد النظام يبدو لنا غير مفيد كما لو أن الأمر يتعلق بالتمرد ضد المناخ أو ضد تضاريس البلد.هل كانت القضية الفلسطينية تعطي الانطباع بأنها أكثر قابلية للنجاح؟ لقد بدا لي أن التزام 'إدوارد سعيد' يعثر علي تبرير عميق في وضعية فلسطين نفسها أكثر مما يوجد في آمال النجاح. إن بلغاريا، وأيا كانت طبيعة الحكومة، ستظل دائما في مكانها. أستطيع أن أفترق عن بلدي، وأن أصنع حياتي في باريس، أما أن يكون النظام (البلغاري) بوليسيا فهذا لا يمسني بصفة شخصية. أما فلسطين فقد توقفت عن الوجود ككيان سياسي. لقد أعلن أنها 'أرض بلا شعب' لقد تم إنكار حق الفلسطينيين في وجودهم الذاتي، وأصبحوا مدعوين إلي أن يفكروا في أنفسهم بطريقة أخري، كعرب أو كمسلمين، كمصريين أو لبنانيين. هذا النفي بالنسبة ل 'سعيد'، المولود في القدس، يوازي رفضا للاعتراف بوجوده ومحاولة لنفي وجوده الشخصي ذاته. كي يعيش 'إدوارد سعيد' مهاجرا في سكينة، مثلي، فإنه في حاجة إلي أن يعترف بوجود بلده الأصلي. لا. يمكن للمرء أن يغادر بلدا لا وجود له، بل لايستطيع المرء أن يتجرد منه. ليس الحنين إلي العودة إلي البلد هو الذي يحرك انخراط والتزام 'سعيد'، فقد أصبح مثقفا كوسموبوليتيا يحس بالراحة في نيويورك أكثر من أي مكان آخر، المدينة الأكثر كوسموبوليتية في العالم، ولكن هو التهديد المسلط علي هويته، التي يعلن أنه لا وجود لها، وشعور بالظلم التاريخي. إن موقف 'إدوارد سعيد' حول هذه القضية الحارقة بسيط، فهو يطالب بمعاملة الإسرائيليين والفلسطينيين علي قدم المساواة. كما أن انتماءه العاطفي إلي أحد الطرفين لم يكن يعميه عن حاجات الطرف الآخر. من الناحية التاريخية يجب الاعتراف وتأمل خطورة الإبادة التي تعرض لها اليهود، حيث لم نكن نجد عند 'إدوارد سعيد' أدني إغواء لنفي هذه الإبادة أو التشكيك فيها. أما من الناحية القانونية، فيتوجب الإقرار بشرعية دولة إسرائيل والتوقف عن تجاهل واقع الأشياء، لقد قبل' 'إدوارد سعيد'، بطريقته، ودون التفوه بهذا، نقطة انطلاق الصهيونية (الحركة).من الناحية السياسية يتوجب إدانة الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وبشكل خاص إدانة العمليات الإرهابية ضد المدنيين، ليس لأنها غير فعالة، بل لأنها ضارة ومسيئة للقضية الفلسطينية، ولكن لأنها من الناحية الأخلاقية وحتي من الناحية الميتافيزيقية غير مقبولة.ولكن نفس هذه المتطلبات والمقتضيات يجب توجييهها إلي الاسرائيليين فيما يخص مصير الفلسطينيين، وإن هذا الصراع هو الذي كان يحرك جوهر طاقة 'إدوارد سعيد'. يجب في البداية، علي المستوي التاريخي، الاعتراف بشكل رسمي بأشكال العنف التي تعرض لها الفلسطينيون منذ تأسيس دولة إسرائيل، وهو عنف لايجب إنكار خطورته لكونه لم يصل إلي مستوي الإبادة (التي تعرض لها اليهود). كما يتوجب من الناحية القانونية القبول بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وفي هذا الصدد تتجه ميول 'إدوارد سعيد' الشخصية نحو دولة لادينية ولا إثنية علي مجموع الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية، ولكنه وعيا منه بانعدام شعبية هذا الحل لدي الأطراف المعنية، فقد قبل، في بداية الأمر، بضرورة إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، وهو ما لم تنص عليه، في نظره، اتفاقات 'أوسلو' وأخيرا علي المستوي السياسي يجب إيقاف إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل بشكل يومي علي السكان المدنيين الفلسطينيين.إن هذا الإلحاح في التحدث عن شعبين انطلاقا من نفس معايير العدالة يولد لدي 'سعيد' حساسية تجاه كل الأشياء المشتركة التي توجد في تاريخهما. اكتشف 'سعيد' نوعا من معاداة السامية في القرن التاسع عشر يوحد فيما بين اليهود والعرب في نفس الاحتقار، كما اكتشف أن الشعبين فرض عليهما، بطريقة مشابهة، أن يعيشا في الشتات خلال فترة طويلة. لقد كان يري، أيضا، مفارقة مأساوية في التاريخ، حيث إن الظلم الذي تعرض له اليهود أو الذي تعرض له الفلسطينيون) ليس متخيلا. غير أنه للأسف، ليس المرة الأولي، وهنا نستعير تعابير 'ليفي شترواس'، التي يقوم فيها 'مضطهدون ومظلومون يستقرون علي أراض مسكونة ومأهولة منذ آلاف السنين من قبل شعوب أكثر ضعفا منهم، بطردهم!! علي أن أضيف بأن 'سعيد' نفسه، كان تجسيدا حيا لهذه القرابة ما بين الشعبين، فقد كان أكبر عدد من أصدقائه يهودا كما أنه بنفسه كان يجسد صورة المثقف الفصيح والمفوه والكوسموبوليتي والمتكلم عدة لغات، كما كان عليه كثير من أعضاء الشتات اليهودي من قبل. في لقاء أجرته معه الصحيفة الإسرائيلية 'هآرتس' سنة 2000، يقول: 'أنا آخر مثقف يهودي. إنكم لن تجدوا مثقفا آخر. كل مثقفيكم اليهود أصبحوا بورجوازيين محترمين. من 'عاموس عوز' إلي هؤلاء الناس في الولايات المتحدة. إذا فأنا الأخير. أنا المريد الحقيقي الوحيد ل 'لأدورنو' بصيغة أخري، أنا فلسطيني يهودي'!.لقد كنت غريبا عن هذه النقاشات، فلم أتتبع تفاعلات وارتدادات هذه النقاشات العديدة ولا الالتزامات السجالية ولا المواقف الدقيقة. ولكني كنت أعرف أن 'سعيد' كان مقتنعا، بشدة، بأن حركة سياسية وحدها، وليس مجرد تدخل عسكري بسيط، يمكن أن تساعد علي إيجاد حل لما أصبح يسمي بقضية الشرق الأوسط.
الإنسان المتغرب
ولكن علي الرغم من أن لهجة التدخلات السياسية عند 'سعيد' صارمة وجذرية، فقد كانت روح التزامه تنحو منحي معتدلا، فقد كان يعرف بأن الفعل السياسي يتحدد بالتوفيق بين المصالح المختلفة، ولهذا كان يلح علي حل وسط. إن هذا الموقف الوسط خلق له أعداء متشددين من كلا الجانبين. فالقوميون أو المعادون للإمبريالية العسكرية من الجانب الفلسطيني كانوا يرون فيه، أحيانا، خائنا للقضية وعدوا يجب التخلص منه لأنه لايريد أن يستخدم شهرته الكبيرة كمثقف لخدمتهم. أما الذين كانوا يعبرون عن دعم لا مشروط للسياسة الإسرائيلية فقد كانوا يفترون عليه من أجل نزع المصداقية عن كلامه، فقد كانوا يريدون أن يظهر بمظهر 'مدرس رعب أو إرهاب'. إن ما كان يضايقهم لدي 'سعيد'، ليس هذا التأكيد أو ذاك، فنحن نعيش في مجتمعات ليبيرالية حيث كل الآراء تقريبا لها حق المواطنية، وإنما وجوده الخاص، أي وجود فلسطيني ما هو بالبائس ولا بالإرهابي، والذي لا يختزل في أي مستوي سهل الاستعمال. كان 'سعيد'، عبر طريقته في الحياة، يدحض بفعالية أكبر من الخطابات الطويلة، الكليشيهات المنتشرة جدا عن الفلسطينيين الذين يشكلون تهديدا. الضريبة التي دفعها بسبب هذا الاعتدال كانت التهديدات بالموت التي تلقاها هو وعائلته والحريق الذي تعرض له مكتبه في 'كولومبيا' و'الافتراءات والوشايات التي كانت توجه له بشكل منتظم، أو تهديدات، فيها الكثير من المهارة والدهاء، كالرقابة أو المقاطعة المنتشرة التي كان 'سعيد' ضحية لها إن في الولايات المتحدة أو في أوروبا، وأيضا في فرنسا، حيث تم التوقف عن نشر وإعادة نشر كتبه، وأيضا التوقف عن بث البرامج المكرسة له. وللحقيقة فالأمر لم يكن بأحسن حالا في العالم العربي والاسلامي، لأن 'إدوارد سعيد' كان يضع ما يراه صحيحا أو عادلا فوق الواجبات التي تنجم عن التضامن وعن الولاء. ففي الوقت الذي صدرت فيه فتوي بالإعدام، سنة 1989، في حق 'سلمان رشدي' بسبب روايته التجديفية 'الآيات الشيطانية'، علي حد ما يزعم، لم يتردد 'إدوار سعيد' في التدخل في المجال العمومي أمام تجمعات مسلمين غاضبين، من أجل الدفاع عن حق الفنان في البحث عن المعني وعن الحقيقة بكل حرية. وقد ساءت علاقته مع الساسة الفلسطينيين ابتداء من سنة 1993 حين عبر عن شجبه لاتفاقات 'أوسلو'. لقد ساءت علاقته مع الساسة الفلسطينيين حينما بدأ ينتقد الفساد والتسلط اللذين يسودان في أوساط السلطة الفلسطينية، إلي درجة أن كتاباته أصحبت ممنوعة عن التداول في فلسطين بعد سنة .1996 لم يكن 'إدوارد سعيد' مثقفا طيعا. لقد كان 'سعيد' يستطيع أن يعتنق مقولة 'جان جاك روسو التي تقول: إن كل إنسان متحيز، هو في حد ذاته عدو للحقيقة لقد كان هذا فهمه لوظيفة المثقف، هذه الشخصية الموجودة في الحياة العمومية التي سيكرس لها كتيبا سنة 1994 ترجم إلي الفرنسية تحت عنوان 'المثقفون والسلطة'. إن المثقف، في بداية الأمر، هو من لايكتفي أن يكون المتخصص في هذا المجال أو ذاك، ولكن من يتدخل في المجال العمومي، هو من يتحدث عن العالم ويخاطب العالم (وهو ما يستدعي في البداية أن يتخلي عن كل رطانة). بالإضافة إلي ما ذكر، المثقف هو من يحافظ علي استقلاليته ويتمسك بالبحث الحر عن الحقيقة وعن القيم التي يكون مستعدا بصفة شخصية للدفاع عنها، كل هذا بعيدا عن وضع نفسه، بشكل لامشروط، تحت تصرف هذه السلطة أو تلك أو هذه القضية أو تلك. أتقاسم مع 'إدوارد سعيد' وجهة نظره هذه، في الوقت الذي لا أتفق فيه معه البتة حين يطلب من المثقفين أن يكونوا بالضرورة خصوما للإجماع أو التوافق وللأرثوذوكسية، وأن يبحثوا عن الهامشية لذاتها، وأن يحبذوا بشكل دائم موقف التمرد، لأن هذا المطلب يبدو لي متناقضا مع السابق، إذ ماذا لو أن الرأي العام أو السلطات الحاكمة كانت، من حين لآخر، علي حق؟ انطلاقا من هذه الهامشية التي ينادي بها 'إدوارد سعيد'، ينبني الرابط ما بين المثقفين والمنفيين. إن تقديره لشرط المنفي فيه تناقض، إذ يستطيع 'سعيد' أن يكتب أن 'المنفي فيه تناقض، إذ يستطيع 'سعيد' أن يكتب 'المنفي هو إحدي المصائر الأكثر كآبة وحزنا كما يكتب بأنه يساعد علي التأمل إذ 'أن المنفي بالنسبة للمثقف حالة من القلق، وهو حركة، تزعزع الآخرين لكونها مزعزعة بشكل دائم' اذا كان المثقف هو من علي استعداد لمساءلة أصناف وجوده الذاتي، إذا فإن كل مثقف، بطريقة أو بأخري، هو منفي لشرطه المولدي (الولادة). كان ينتابني الشعور بأنه كلما مر الزمن، كلما قدر 'إدوارد سعيد' مزايا وضعية المنفي، وضعية 'الإنسان المتغرب' كما أسميها، إن فكرة الانغلاق داخل هوية إثنية أو قومية كانت بالنسبة له لاتطاق. لقد جعل 'إدوارد سعيد' من ما كان سيصبح لغة، رسالة. في سنة 2000 قال لصديقه 'دانييل بارونبوم' 'مع مرور الزمن توصلت إلي اعتبار هذه الفكرة عن البيت تم تقديرها بشكل مبالغ فيه... إن مفهوم 'الوطن' لم تعد تهمني كثيرا. إن التيهان هو ما أفضل، حقيقة' لقد اختار 'سعيد' أن لايكون مالكا لسكنه وأن يكتفي باستئجاره. ألا يكون 'سعيد' قد وجد شبهه في صورة اليهودي التائه؟
البحث عن الذات
لقد عرفت حياة 'سعيد' مجري آخر سنة 1991، حين اكتشف إصابته بمرض عضال. هذا الاكتشاف المؤثر الذي أصبح بسببه ميتا مع وقف التنفيذ، تسبب في تغييرات كثيرة. في بداية الأمر تخلي عن كل مسئوولياته السياسية، فقد أصبح الزمن، من الآن فصاعدا، بالنسبة له معدودا، وتوجب أن يركز ذهنه علي ما هو أساسي وعلي الأفعال التي كانت في نظره ضرورية، ومن بينها السفر مع عائلته إلي القدس التي لم يعد إليها منذ 1947 كما لو أنه، إزاء مرضه، كان في حاجة إلي تقوية وجوده من خلال إرساء الاستمرارية، ليس فقط من أجله بل من أجل أقربائه. تولد عن هذا السفر، وفي نفس السنة، محكي نشر في الصحافة البريطانية، وقد ساهم هذا المحكي النافذ البصيرة وبسبب من رئته الشخصية في إحداث أثر عميق علي إلي درجة أني ساهمت، بعد بعض الوقت، في إخراج طبعته الفرنسية في كراسة بعنوان 'ما بين الحرب والسلام' في الوقت الذي كان يركز فيه حياته علي ما هو أساسي كان 'سعيد' بصدد اكتشاف سجل لم يكن قد مارسه من قبل، وهو الكتابة الأوتوبيوغرافية. هذا العمل الذي كرس له وقتا يمتد ما بين 1994 و 1998 سيؤدي إلي كتاب لافت، وهو محكي عن السنوات الأولي من حياته، 'خارج المكان'، والذي صدر في فرنسا تحت عنوان Acontrc voie بمحاذاة خط السكة. (الاستعادة) استعادة الذكريات) تتوقف عند نهاية دراساته سنة 1963 قبل ولوج 'سعيد' إلي حياة العمل وقبل تيقظ اهتمامه السياسي بالقضية الفلسطينية. إن 'إدوارد سعيد' البالغ هو الذي يكتب بأن تهديد الموت يرغم علي إبعاد وإقصاء كل استراحة والذهاب إلي أقصي مكان ممكن للبحث عن الحقيقة، في هذا الكتاب ينجح 'سعيد' في إبراز الصورة الأكثر عمقا والأكثر وضوحا ومعقولية عن كينونته، ينجح ليس فقط في الإمساك بشرطه التاريخي كفلسطيني منفي واهتماماته وانشغالاته المهنية بتحليل النصوص، كما هو الحال في كتابه 'الاستشراق'، وإنما أيضا في الإمساك بشخصيته العمومية وشخصه الخاص، وهو ما يجعل من هذا الكتاب، حسب علمي، إحدي الكتب الأتوبيوغرافية الأكثر نجاحا.من بين آلاف الملاحظات والتحليلات، يوجد ملمح من حياة 'سعيد' يفرض الانتباه أثناء قراءة الكتاب، وهو المكانة التي تحتلها أمه في عقله. لقد ولد المشروع كله، في الحقيقة، من الحاجة التي تحملها وكابدها المؤلف في توجيه الحديث إلي أمه في اليوم التالي من اكتشاف مرضه، فبينما كانت والدته قد ماتت قبل سنة ونصف، اكتشف أنه بصدد كتابة رسالة طويلة إليها. لدي قراءة كتاب 'خارج المكان'، اكتشفت أن جرحا غير قابل للشفاء يلطخ هذه العلاقة الأساسية بالنسبة ل 'سعيد'، اكتشفت حبا كان يعيشه كما لو أنه لم يكن متبادلا بشكل كامل. قلت في نفسي إن هذا النقص، الذي نشعر به في السنوات الأولي من حياة 'سعيد'، يمكن أن يكون مسئولا، جزئيا، طول حياته كرجل بالغ، عن قلقه الدائم وعن نشاطه المفعم وعن عجزه عن العثور علي الراحة، كنت أقيس، عن تضاد، الحماية التي وفرها لي والداي بإعطائي اليقين الذي لايتزحزح بحبهما.إن اكتشاف إصابتنا بمرض لا دواء له، وكذلك اكتشاف أن الموت ليس فقط هو القانون العام للعالم الحي وإنما يعلن مصير الفرد في مستقبل قريب نسبيا، يمكن أن يسبب ردود فعل مختلفة جدا، من الذعر المحموم إلي الانغلاق الانفرادي. تتبع 'سعيد' مرة أخري مسارا آخر، فقد اكتشف 'الحاجة إلي التفكير في الأشياء النهائية'. هذا التفكير أخذ شكل سفر إلي أمكنه المنشأ كما اتخذ بصفة خاصة شكل مشروع كتابة، وهو نشاط مألوف (بالنسبة له) ولكنها، هذه المرة، كتابة بعيدة قدر الإمكان عن حياته الوظيفية والسياسية: إنها ارتياد لوجوده وكينونته. إنه لايبحث الآن عن القيام بتحليل لمؤلفي الماضي ولا عن نشر أطروحات تبدو صحيحة، ولكنه يريد استكشاف هويته الشخصية ويريد الاقتراب من نفسه، وهو ما سماه 'محاولة متأخرة في إعطاء شكل محكي لحياة كنت قد تركتها لوحدها غير منتظمة ومشتتة ومن دون محور مركزي 'لقد نجح' 'إدوارد سعيد' في هذا، ولكن هل من المفروض علينا أن ندفع ثمنا باهظا كهذا للوصول إلي هذا الهدف؟لم يتوقف المرض، والأعراض الثانوية المؤلمة تضاعفت، واضطر 'سعيد' إلي قضاء شهور بأكملها تحت العلاج المكثف. ولكنه بمجرد ما كان يخرج من المستشفي كان يبادر إلي معاودة نشاطاته التي لا تحصي بإيقاع أسرع، وحتي هو بنفسه لم يكن قد عرف مثل هذه الإسراف في الحركة. كان يراكم إلقاء المحاضرات في أقاصي الأرض وكذلك المقالات الصحفية التي يعلق فيها علي الأحداث السياسية في الشرق الأوسط وفي أماكن أخري، وأيضا اللقاءات المعمقة حول تيمات عزيزة علي قلبه (كما هو الشأن في لقائه حول الموسيقي مع 'بارونبوام') والدراسات العلمية حول ثيمات متنوعة بعضها تم تجميعه في كتابه 'تأملات حول المنفي'، وهو كتاب حول مستقبل الفلسفة الإنسانية، وهو مفهوم كان يريد 'سعيد' أن يأخذه علي عاتقه 'علي الرغم من الرفض المستخف الذي ينصب عليه من قبل النقاد المابعد حداثيين المتكلفين 'سيليه كتاب آخر حول أسلوب المبدعين في السنوات الأخيرة من حياتهم، ولكن هذا الكتاب لم يستطع إكماله. كان سعيد' يعرف أن وقته معدود. فكل يوم يمر يجب أن يعوض الأيام والشهور والسنوات والعقود التي سيكون محروما منها. لقد كان 'إدوارد سعيد' يسخر من سيف الموت المسلط عبر ما كان ينضاف من الحياة.
القضايا الخاسرة
في مقال يرجع إلي سنواته الأخيرة، يتأمل 'إدوارد سعيد' ما يسميه 'القضايا الخاسرة'. كان يعرف مسبقا بأنه سيخسر الصراع الذي يعنيه بصفة مباشرة، صراعه ضد الموت، مثلنا جميعا، لكنه خسره أسرع منا. القضية الفلسطينية كانت قد تراجعت، في نظره، ونهايتها بدت له أكثر بعدا بالمقارنة مع ما كانته قبل عشر سنوات. أما الأهواء الإثنية والقومية والدينية التي كان قد أخذ علي عاتقه محاربتها لم تن تتفاقم. ومن وجهة النظر هذه، فإن الأحداث التي سببتها تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أحلقت ضربات قاسية بآماله في تحسن العالم. إن ما كان 'سعيد' يصبو إلي تحقيقه عبر كتاباته، في كتاب 'الاستشراق' أو في غيره، كان هو تدمير الكليشيهات التعميمات المفرطة (المخالفة للأصول)، ك 'الشرقي' و'المسلم' و'العربي'. إلا أن عقلية الحرب التي ارتست، (يبدو أنها ستدوم لفترة طويلة بعد التفجيرات)، إن في هذا الجزء من العالم الذي تعود إليه أصول 'سعيد' أو في بلده بالتبني، تشجيع، علي النقيض، المانوية الأولية ووسم العدو دونما تمييز وسجن كل فرد في فئة محكوم عليه، من الآن فصاعدا، أن ينتمي إليها. فمقابل 'عرب أشرار' في نظر البعض، نجد 'أمريكيين أشرارا' في نظر البعض الآخر. كما أننا نري خبراء واخصائيين جعلوا من أنفسهم خبراء يتحدثون، بإسهاب في الجرائد وفي التلفاز، عن الطابع الذي لا يتغير لهؤلاء وأولئك. إن العيوب التي أدانها 'الاستشراق' تضاعفت منذ صدور الكتاب.بم يمكن للمرء أن يتعلق ويتشبث حين يكتشف بأنه المدافع عن هذا الكم من القضايا الخاسرة؟ يستشهد 'سعيد' بمقوله ل 'رومان رولاند' يعترف بأنه يعترف بأنه يعثر علي نفسه فيها وتتناول 'تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة'. هل يتوجب الاستمرار في الحركة حيال وضد الكل علي الرغم من تحذيرات العقل؟ يستدعي 'سعيد' أيضا مقولة ل 'أدورنو' الذي راهن في التحليل الأخير علي الكلية الإنسانية، حيث إن الفكرة التي تم التفكير فيها ذات مرة بدقة لايمكن أن تهزم حتي وإن لم تقد إلي الانتصار. فهذه الفكرة، بالضرورة، سيعثر عليها ويتلقفها أناس آخرون في أمكنة وأزمة أخري. يختتم 'سعيد' بالقول بأنه إذا كان هذا صحيحا فلا وجود لقضية خاسرة، بشكل نهائي.أود أن أضيف بأن 'إدوارد سعيد' فعل أكثر من مجرد التوصية بقضاياه إلي من يود مواصلة أخذ المشعل. لقد جعل 'سعيد' من الطريقة التي عاش بها السنوات الأخيرة من حياته عملا أدبيا. ليس لأنه رفض قبول التوزيعة الأصلية التي يوزعها الحظ علي كل واحد منا، بل إن مساره السابق، علي النقيض، قاده إلي رفض القداسة الوجودية التي تري بأن الانسان ليس إلا منتوج إرادته واختياراته، وقاده إلي أن يقبل نفسه كما هو، لأسباب لا تتعلق به إلا قليلا، كونه فلسطينيا منفيا ونيويوركيا مرحا ومدرسا للأدب ومعلقا سياسيا ورجلا يشعر بالحبٌ والغضب. لقد قَبِلَ أيضا مرضَه مع كل التحولات التي يَفرضها عليه، وحتي الانشاءات التي يعطيها هذا المَرَض لِعَمَلِهِ الأوتوبيوغرافَي. لقد كانَ هذا الَمرَض في معظم الأحيان هو الذي يقرر متي وكيف يستطيع أن يَكتبَ، وحتي في استقبالي مالا يتَعَلَّق بإرادته في وعيه وشعوره، نجحَ 'سعيد' في الذهاب أَبعَدَ مِنْ أناهج (الأنا) السابقة، كما نَجحَ في الوصول إلي حقيقة كينونِته والتصريح بها وإلي حَفٌير وَججوده مثل عمل فَني، لقد أصبح 'سعيد' فرداَ كونٌياَ، كائنا متَفَرٌداَ حيث مصيره، الذي قام هو بنفسه بتأويله، ينادي كل فرد، إننا لانعرف حين ستدق أجراس كلّ واحِد منَّا، إذَا كنَّا سنكون قادِرِينَ علي العثور علي القِويَ الضرورية كي تفعل مثل ما فَعَلَه 'إدوارد سعيد'، ولكننا نستطيع أن نَسْتَحضِره في أفكارنا، ونفكر في المجهودات والاشتغالات التي قام بها علي نفسه والتي كان من نتائجها أنها جَعَلَت العالَم، شيئا مَا أكثرَ جَمَالاِ وأكثر ثراء فيما يتعٌلق بالمعني، لأجل هذا يَستِحقّ 'إدوارد سعيد' امْتِنَانَنَا.
elmezdioui@gmail.com
تعليقات
إرسال تعليق