مديح الترجمة
محمد المزديوي. باريس
كاتب ومترجم عربي مقيم في باريس
الكلمة المؤسسة للترجمة والتي فهمت، على شكل واسع، بطريقة مغلوطة، هي مقولة " الترجمة خيانة"، وهي كلمة فسَّرَها الكثيرون على أنها إدانة واضحة ونهائية لفعل الترجمة. ولكن المعنى الحقيقي يبقى هو تقريظ لهذا الفعل الحضاري المتمدن. أي أن المترجم يبذل قصارى جهده كي يحاكي النص بكل ما أوتي من قوة ومعرفة. والنص المُتَرْجَم يجب أن يقترب من النص الأصلي إلى حد التماهي.. ومن هنا استحالة الترجمة الكاملة، ولكن الترجمة التي تقترب من النص تظلّ هي المعيار على المجهود وعلى الجدة.
العصر الذهبي للثقافة العربية كان هو عصر الترجمة. وبيت الحكمة العباسي دالّ على الإضافات والإسهامات التي قدمتها الثقافة العربية الإسلامية للحضارة البشرية. لقد كانت الترجمة التي أسهم فيها العرب، بقوة، تتعايش مع فهم رائع وجميل للضرورة الدينية، ومع عرض متسامح للدين الإسلامي أقبلت تنهل منه شعوب كثيرة في تلك الفترة. وفي هذه الفترة لم يؤثر فعل الترجمة أصلا على البعد الإيماني. لأن العرب المسلمين الأقوياء قادرون على التمييز بين العلوم الطبيعية الحقة وبين المعتقدات اليونانية التي تؤمن بتعدد الآلهة. يرى الأنثروبولوجي البريطاني الكبير(الراحل) "جوزيف نظام" بأن العرب المسلمين قدموا خدمات جليلة للبشرية، في وقت كانت فيها أوروبا مظلمة وجاهلة، تتمثل في ترجمة كثير من المعارف الصينية ونقلها إلى الغرب، ومن بينها البريد والرِّكاب(جور حاسم في الحروب) والبارود(كان استخدامه سلميا عند الصينيين حيث استخدم للخفلات ولكن الغرب تلقّفه وجعله مادة للتقتيل والبطش) إلخ..
إنّ دور النقلtransmission،(أي صلة الوصل أو عدم إضاعة الحَلَقَة المفقودة) مثله مثل دور الاكتشاف أو الاختراع، له أهمية حاسمة في تاريخ البشرية. في العام الماضي نظَّم معهد العالم العربي IMA بباريس(الذي تعتبر المملكة العربية السعودية من بين الممولين الأوفياء والمنتظمين له بالإضافة إلى العديد من الهبات التي تُقدّمها المملكة للمعهد لأداء دوره الحضاري النبيل للتعريف بنبل وسموّ ديننا الإسلامي وثقافتنا العربية الإسلامية) معرضا هامّا حول "العلوم العربية" عرف نجاحا منقطع النظير، وكان كتيّب التقديم من قلم الباحث الجزائري الكبير أحمد جبّار صادما، حيث أكّد على بطلان الكثير من الأشياء التي كنا نعتبرها(وأيضا الغربُ) مسلّمات ومن بينها أن العرب هم من اكتشف الجَبر والصفر إلخ، ولكن ردّ بعض المختصين الغربيين لم يتأخر في التأكيد على أن الأمر ليس بمثل هذه الأهمية، إذ أن العرب يكفيهم فخرا أنهم مَنْ نَقَلَ وتَرْجَم ونَشَر هذه المعارف.
ضرورة الترجمة:
حضرنا محاضرة نظمتها جامعة باريس السابعة، منذ بضع سنوات، للسيميولوجي واللساني والروائي الإيطالي الشهير "أمبرتو إيكو"، وكانت بعنوان "تجربة الترجمة"، دافع فيها "إيكو" عن مبدأ تعدّد ترجمة النص الواحد، وأتى بأمثلة من الكتب الإغريقية الهامة ككتب أرسطو وأفلاطون وغيرهما التي خضعت لترجمات لا تُعد ولا تحصى. فكرة أمبرتو إيكو تقول بأننا نترجم نصّاًً معينا لأننا نكون في حاجة إليه، ووفقا لمعارفنا وإدراكنا، وأحيانا تكون ثمة التباسات عديدة في الترجمة لأسباب كثيرة منها أن النصّ الخاضع للترجمة لا يكون سليما أو تكون النسخة غير كاملة، أو يكون فيه كثيرٌ من الغموض ومن هنا فترجمة جديدة تكون مطلوبة حين نكتشف أشياء جديدة. أعطا "إيكو" كثيرا من الأمثلة ومن بينها مثال الفيلسوف العربي المسلم "ابن رشد" الذي قدّم للغرب ترجماته للفلسفة الإغريقية وظلت تُدرَّس قُرونا عديدة قبل أن يأتي(من الغرب اللاتين) من يعيد ترجمة الأصول الإغريقية.
الكتب الهامّة أو المُؤسِّسَة تستحق إذنْ ترجمات كثيرة لأن ترجمة واحدة لا يمكنها أن تستوعب دقتها وتعقيدها.
وهذا يمكن أن ينطبق على الأعمال العظيمة فما نقول، إذنْ، عن ترجمة معاني القرآن الكريم؟
ترجمة معاني القرآن الكريم:
نقول ترجمة معاني، لأننا نؤمن، من البدء، أن النص الإلهي السامي لا يمكن أن يُترْجَمَ، أبداً، وبالتالي فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرّد تمرين على مقاربة معانيه. لن نتحدّث عن كل الترجمات، ولكن نكتفي بإثارة بعض الترجمات الفرنسية لنصّنا المقدس العظيم. لقد ترجمتْ معانيه نُخبةٌ من كبار المستشرقين والمستعربين وأيضا بعض المسلمين، نذكر منهم "بلاشير" كازيميرسكي" و"جاك بيرك"، وكانت هذه المقاربات مفيدة للدّارس المتفحّص، وإنْ كان لا غنى، بالنسبة للمؤمن من قراءة وترتيل النص الأصلي العربي. وسيظل النص القرآني موضوع ترجمات لا تنتهي لأن المعارف والمناهج التي تساعد على القراءة والفهم لن تتوقف أبدا، ولأنّ القرآن الكريم، بكل بساطة، نصّ مُعجزٌ وصالح في كل زمان ومكان.
اقتراحات بمثابة خاتمة:
الترجمة إذنْ فعل حضاري وتسامُحي، وهي بهذه الصفة خطيرة وحاسمة. ومن هنا يتوجب خلق مؤسسة عربية جادة لتنسيق الترجمات والمراجعات. وفيما يخص النص الديني(القرآن الكريم) والسّيرة والحديث، يستحسن، بل يتوجب أن يكون ثمة تنسيق بين "أهل الذِّكْر" وبين المختصين أو التقنيين، كي تكون النصوص المترجمة أكثر وفاء لنصية القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحبّذا يكون التنسيق والضبط، أيضا، على صعيد الإنترنيت أيضا لأن الكثير من المترجمين العرب، في بقاع الأرض، يقومون، عن عدم معرفة، بإعادة ترجمة نصوص وكتب تكون قد تُرْجِمتْ أصلا، وفي هذا مضيعة وهدر للطاقات، اللهم إلا إذا كان الهدف نبيلا ويتمثل في تصحيح شوائب الترجمة أو الترجمات السابقة.
تعليقات
إرسال تعليق