التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيرنودا كاتب كبير من إسبانيا

من تصدير المترجم:
      ألّف لويس سيرنودا كتاب "الواقع والرغبة" فقام الروائي الاسباني الكبير خوان غويتيسولو بكتابة تقديم له، ومن هذا التقديم نقتطف هذه الملخصات الدالة:
      في الخامس نوفمبر 1963 مات في مكسيكو الشاعر الإسباني الأكثر أصالة من بين الجيل اللامع الذي خرج إلى العالم الأدبي حول السنة 1925: أود التحدث عن لويس سيرنودا. موت صامت ومرّ دون ضجيج في إسبانيا كما في باقي الدول، بإجماع مشبوه وكأنما يؤكد ما ذهب إليه تنبؤات الشاعر، الذي غادر إسبانيا منذ 1938 بسبب الحرب الأهلية، في إحدى القصائد من بين القصائد الأخيرة الأكثر تأثيراً والتي كتبت قبيل وفاته والموجهة إلى مواطنيه

  ولكن أنتم الذين تنتظرون اليوم الذي لن أكون فيه بين ظهرانيكم.
  فحينها ستتساقطُ عليَّ، كالحجارةِ، أسلحَتُكُم الدائمةُ: التجاهلُ وعدمُ الاكتراث والنسيانُ،
  سَتُغَطّيني، أخيراً، كما فَعَلْتُمْ مع آخرين، أكثر أهمية مني، ونفس هذا التجاهل يسرع إلى العدم،
  مثل ألْدَانَا الكبير.  

      هذه الافتراضات، مع الأسف، كانت صحيحة: فإذا كان الغطاء الحزبي الذي كان عند ألبرتي، مثلا، أو ظروف موت غارسيا لوركا وميغيل هيرنانديز الدراماتيكية التي ضمنت لهم، بمعزل عن القيم الأدبية لأعمالهم، جمهورا كبيرا خارج بلدنا، مما عوّض الفراغ الذي عانت منه أسماؤهم في إسبانيا، وخصوصا بين سنتي 1939 و1954، فإنَّ شِعْرَ سيرنودا، المجهول ليس فقط في الخارج ولكن أيضاً في أوساط عديدة من المنفيين الإسبان(من أجل أسباب سنشرحها فيما بعد) تَجَاهَلَهُ، بشكل منتظم، النظام الحالي[الطبعة الفرنسية تمت في عام 1969] وإسبانيو إسبانيا.
      وقد عانى كثيرا من هذا التجاهل الذي عرفه شعره مما جعله يكتب قصائد قاسية موجهة إلى مواطنيه. ومن قصيدة "إلى مُواطنِيَّ" نقتطف هذا المقطع:

فلْتَكُنْ ملعونةً لُغَتُكُمْ
لغتي التي أتحدث بها وأكتب بها.
لأنّكم تستطيعون، مع الزمن، كما فعلتُمْ سابقاً،
طَرْدَ شخصي وأعمالي خارجَ
الذّاكرة، في قلوبكم وعقولكم
  وفي سيرته الذاتية القصيرة التي كتبها سنة 1958 يوضّحُ لنا سيرنودا موقفه"المدنّي" أثناء هذه السنوات الرهيبة في ذاكرة كل الإسبان:"في بداية الحرب، كان يقيني الأول بأنّ الظلم الاجتماعي الذي عرفته إسبانيا يتطلب المعالَجَة، وهذه المعالجة يجب أن تكون قريبة، جعلتني أرى في الصراع، بالإضافة إلى الفظاعات، التي لم أعرفها من قبل، الآمالَ التي بدا لي أنها تحملها للمستقبل.    
      وفيما يخصّ موقفه من السياسة والالتزام فإن لسيرنودا هذا الموقف الأصيل الذي عبّر عنه سنة1935: "الشاعرُ هو ثوريٌّ دوماً. وهو مثل كلّ الناس تنقصه الحريّة ولكنّه، بخلاف هؤلاء، لا يقبلُ هذا الحرمانَ ولها يلامسُ مرات لا تحصى أسوارَ سجنه."
      وهذا الموقف جعل سيرنودا يُظْهِرُ تمردا في الميدان الديني تحت شكل تمجيد اللذات الأرضية، ويعلنُ معارضة للطهرانية الضيقة في الأوساط الإسبانية التي يعيش بين ظهرانيها مما جعل الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث يقول عنه:"من الصعوبة العثورُ على كاتب في اللغة الإسبانية أقلَّ انتماءً للمسيحيّة منه".

يا أللهُ. أنتَ الذي جعلتنا
فانين، لماذا بذَرْتَ فينا العطشَ
نحو الخلود الذي يخلقُ الشاعرَ؟

ولكنْ ليسَ لكَ وجودٌ. أنتَ فقط الاسم
الذي يعطيه الانسانُ لخوفه ولعجزه.

إنها صورة الانسان. تعلَّمْ، إذنْ، وتوقّفْ عن
الجري وراء آلهةٍ صُمٍّ خالدين
تخلقهمْ صلاتُكَ ويُميتُهُمْ نسيانُكَ.
          من قصيدة "الأطلال"
     إذا كان سيرنودا يسجِّلُ من جهة الدورَ الثوريّ للشاعر ويعترف بأهميّة العامل الاجتماعي في ظهور أعمال الفنّ فإنّه من جعة أخرى يتَمَرَّدُ ضد الالتزام السياسيّ (حيث كان جرح الحرب الأهلية لمّا يندمل بعد) بتعابير تستحقُّ الاستشهاد بها كاملة "من النادر في كل حركة اجتماعية أن لا نعثرَ على مناسبة نتّهم فيها الشاعرَ بعدم الحركة، كما لو أنَّ الحركة الخاصّة بالشاعر تتعلّقُ بحركةٍ لا علاقة لها بالشعر."
     لقد قمنا بترجمة بعض النصوص من كتابي سيرنودا: "تغيّرات حول ثيمة مكسيكية" و"الواقع والرغبة" لما يشتمل عليه الكتابان من نصوص لامعة تسمح لنا، بطريقة تقريبية، برسم صورة لهذا الكاتب الإسباني الكبير. وهذه النصوص وأخرى ستكون موضوع كتاب مكرّس لهذا الكاتب المغرم بالثقافة العربية والمليء بالحسّ الإنسانيّ النبيل.       محمد المـزديـوي
Luis CERNUDA               
Variations sur thème mexican
Librairie José Corti, 1998
Paris                         
"تَغَيُّرَات حول ثيمة مكسيكيّة"
                              لويس سيرنودا
                                                  بقلـم أوكتافيو باث
     
      غادر لويس سيرنودا إسبانيا سنة 1938. ومنذ ذلك الحين عاش في إنجلترا، وبعدها في الولايات المتحدة. في نوفمبر 1952 استقر في المكسيك وفيها مات سنة 1963. عاش في بلدنا أكثر من عشر سنوات، بالإضافة إلـى أنه، أثناء تواجده في الولايات المتحدة، قام بزيارات كثيرة إلـى المكسيك. وفي أواخر حياته، في سنة 1961 و1962، أعطى محاضرات في جامعات سان فرانسيسكو ولوس أنجلس. رؤية لويس سيرنودا أكثر رحابة وأكثر عمقاً من رؤية مورينو فيلا Moreno Villa[1]. وعلى عكس الأغلبية الساحقة من معاصريه فإنه كان متشبعاً بالثقافة الإنجليزية وكان يرى المكسيك من منظور تاريخي مختلف وأكثر عصرية. إنَّ احتكاكَهُ، ولقرابة خمس عشرة سنة من حياته، بثقافة ولغة مختلفين، جعله يتقبَّل وُجودَ الآخرين بشكل طبيعي. تنوع الاستعمالات والعادات وكل الأشياء التي تتراءى أمام نَاظِرَيْه لم يُشكِّل، بالنسبة له، فكرة أو مفهوماً ولكن حقيقةً. لقد كان لـسيرنودا وعيٌ (ضمير) واضحٌ بتنوع الحضارات ومن هنا نفهمُ أنَّ اكتشافه للمكسيك كان، في نفس الآن، تأكيداً وغُربةً. لقد بحثَ ووجدَ، من جهة، ثقافته الأصلية الإسبانية المتوسطيّة، ومن جهة أخرى، البقايا الحيّة من حضارة أخرى، نفس الحضارة التي فتنتْ  كورتيس وبرنال دياز ديل كاستييو منذ أربعة قرون.
      كَتَبَ قبل أن يتعرف على المكسيك، حيث كان ما زال في بريطانيا، قصيدة حول ثيمة مكسيكية."كويتزالكاوتل[1]""Quetzalcoatl" التي نشرناها في مجلة "الابن العاق"l'enfant prodigue. وهي قصيدة شبيهة بنوع القصائد التي كَتَبَها في هذه الحِقبة، على شكل مونولوغ. الذي يتحدث(في القصيدة) هو جندي من جنود كورتيس، جندي مجهولٌ. وهو أيضاً الشاعر لويس سيرنودا، المعاصر للحضارة الميركانتيلية والصناعية التي كنّستْ، بنفس العنف، الأعداء القدامى، الهنود الحمر والإسبان:                 

[...] في حياتي تَتَعَايَشُ
مُجْتَمِعَةً الانتصاراتُ والهزائمُ التي آختْ بينها الذكرى.
التي انهزمتْ على يد مَنْ؟ أحياناً أتساءلُ مع نفسي.

لا شيء يمكن القيام به الآن، الأرض مُسيَّجةٌ
و يَدَّعِي امتلاكها المُتَاجِرُ
[...]
من الريح وُلِدَ الإلهُ وإلى الريح،
الذي جعل منّي ريشةً من أجنحته، يعودُ.
يا أرض الموت، أين هو انتصارُكِ؟

      في هذه القصيدة اللافتة، ورغم مذاقها المسبَّق النيوكلاسيكي، يَكْتَسِبُ وعْيُ التاريخ بُعْدَهُ الحقيقي. لقد أُخِذْنا، وفي نفس الآن، اقتنعنا بحدس سيرنودا: الجندي الإسباني، والذي هو الشاعر نفسه، يتحوّلُ إلـى ريشة من أجنحة الإله الذي، هو بدوره، ليس أكثر من ريح تُطيش بها الريحُ. لا توجدُ أمثلةٌ من هذا القبيل في التراث الأدبي الإسباني، ومن أجل إيجاد مُقابِلٍ لهذا فإنه يجب الإلتجاء إلى الشعراء الإنجليز وإلى أحد الكبار منهم : روبرت بروونينغ. إننا بعيدون جدا عن قرارات اتهام ناقمة حقودة من طراز دييغو ريفيرا Diego Rivera، مثل مبالغات غائرة  للإسبانوفيلين (الذين يحبون إسبانيا واللغة الإسبانية). الشاعر الكبير يُعانِق التضادات دون أن يزيلها. في نظرته يتآلفُ الفهمُ والشفقةُ. كيتزالكواتل quetzalcoatl ليست قصيدة سيرنودا الوحيدة حول ثيمة ما قبلكورتيسية. سيكتب بعد سنوات "المختار" L'élu مستوحاة من الاختيار الذي كان يقوم به  mexica(الاسبان القدامى) بِرجل شاب، يُجَسِّد كسيبي توبيك Xipe Topec على الأرض خلال سنة والذي يُعامَلُ أثناءها كإلاه وفي نهاية السنة يتمُّ التضحية به في معبد في ضواحي مكسيكو. هذه القصيدة التي هي ثمرة قراءات لِـساهاكونSahagùn  أو بريسكوت Prescott، تكشف الإعجاب الذي أَحَسَّ به سيرنودا أمام استعمالات وصور حضارة مختلفة عن حضارته. ومع ذلك فإن القصيدةَ خاليةٌ من التوتر الدراماتيكي الذي نجده في "كيتزالكواتل"، حيث الشعر والتاريخ يتحدان في اتفاق واسع وواحد.
      في سنة 1950، وقبل أن يترك الولايات المتحدة، كتب سيرنودا كتاباً صغيرا "تغيّرات حول ثيمة مكسيكية" والذي ظهر سنتين بعد ذلك. إنَّهُ كتابٌ شبيهٌ في طوله ونواياه بِـ"مِرْآة المكسيك". الشاعران يكتبان في مواجهة بلدٍ يذكرهما بِبَلَدِهِمَا والذي ليس ببلدهما. البلد الذي هو بالإضافة إلى هذا بَلَدُ عِشقهما: كلا الشاعران كانا عاشقين. هنا ينتهي التماثل: لا شيء أكثر اختلافا من كتاب مورينو فيلاَّ من كتاب سيرنودا. (ومع ذلك فهو نفس المكسيك.) انطباعات سيرنودا كُتِبَتْ بعد لقاءات خاطفة مع بلدنا وبعد سنوات كثيرة مَعيشَة مع الأنجلوساكسونيين. لقد وصل به الأمرُ إلى حدِّ كُرْهِ نمَط الحياة الذي تقدمه له المدارس الإنجليزية والأمريكية. في قصيدته"نوكتيرن يانكي""Nocturne Yankee" اعترفَ بأنه كسبَ قُوتَهُ "ليس بواسطة مجهود ولكن بضجر". ما الذي يبحث عنه سيرنودا في المكسيك؟ إنَّه يبحث عن الحبّ. ولكنه يبحث أيضا عن ثقافته الأصلية، وعبر هذه، يبحثُ عن نفسه. لقد كان يعرف أن الثقافة المكسيكية هي ثقافتُه وهي، أيضاً، ثقافة العالَم الهندي(الأحمر) أو ما تبقّى منه على الأقلّ. في هذا الإهتمام بثقافة مختلفة عن الغرب، بالإضافة إلى تأثير الثقافة الإنجليزية، ألا يُوجَدُ صدى لِعشقه للعالَم العربي، عِشْقاً حَيّاً في القبو النفساني للأندلس؟ لقد انتبه سيرنودا للطابع الشاذّ لموقفه وفي الصفحات الأولى من كتابه طرح نفس السؤال الذي طرحْتُهُ على نفسي مرات عديدة: كيف أمكن أنّ إسبان العصر الراهن- يذكر كاتبيه المفضلين: لارا LARRA وكالدوس GALDOS- "لم ينتبهوا أبداً لهذه الدول ذات الجذور الإسبانية؟ [...] لماذا؟ الرؤية الوطنية التي يعطيها لنا الواحد أو الآخر ينقصها شيءٌ ما [...] كيف يمكن فهم هذا الصمت؟" هذه المُجَافاة الوطنية تبدو لِـسيرنودا أكثر فضائحية، ولي أيضاً، للقليل من الاهتمام الذي نُولِيه للأعمال التي حقّقها إسبانيو القارة الأمريكية.
      التأكيدُ الأول التي أهدته له المكسيك هو الكلام. اللغةُ بالنسبة للشاعر هي الوطن الحقيقي. الشاعر، وهو يستمع إلى كلمات لغته على شفاه ناس غرباء، بالنسبة له، وفي وطنٍ غير وطنه، يكتشفُ كونيّةَ ثقافته ويتساءلُ: لِمَنْ نحن مَدينون بهذه الكونيّة؟ يجيب سيرنودا بحسّ طبيعي لِعَصْرِنَا المفتوح أمام أيديولوجيات حقودة: "أيُّ امتنان لا يحسّ به، الصانعُ المظلمُ، الحيّ في داخلك،  لِـهذه اللغة التي هي لغتك اليومَ، إزاء الذين، منذ أربعة قرون مضتْ، بالسيف والقلم، أعطوها(أي اللغة) قَدَراً كونيّاً". البطلُ، بالنسبة لِـسيرنودا، يُساعِدُ الشاعرَ وهذا الأخير يُسَاعِد البطل. القدماء قالوا نفس الشيء فيما يَخُصُّ موضوعَ إخيل وهوميروس. ولا يوجد في هذه الجمل أدنى كبرياء إمبراطوري: يوجد في ثناياها إدراكٌ شعريٌّ للتاريخ. لقد قال مِنْ قَبْلُ: مَن انتصرَ على مَنْ؟ الاعتراف بكونيّة لغته لم تَقُدْهُ لِتَجْرِيدٍ- امبراطورية، دولة، وطن- ولكنْ قادَتْهُ لِواقع متفرّد ووحيد: قادته إلى الذي يتكلّم. الكلماتُ "هي علامات الرّوح" ولكنّ الروحَ لا تُشَكِّلُ شيئاً إذا لم تتقمّص جسداً. يَعْرِفُ الميكسيكيون، مثل المتوسّطيين والعَرَب، أن يتواجدوا مع أجسادهم: "في البلاد الأنجلوساكسونيّة، لا يعرف الناس الخلود للراحة[...] أمّا هُنا فَطُقُوسُ الرَّاحَةِ طبيعيّةٌ". سِرُّ الكرامة في الراحة والحركة، في ضعيات الجلوس والحرَكَات، يُوجدُ في الجسد. الشعب المكسيكي، الفقير بَلْهَ البئيس، أحياناً وسِخٌ وَلابِسٌ أسمالاً، يعرف أن يتواجَدَ مع جسده لأنه يمتلك المعرفة اللاواعية للجسد: "الذي يَتَعَاطَفُ بداخلكَ مع ناس شعبكَ هُوَ الجانب الحيوانيُّ فيكَ أي الجسدُ الذي هو عٌنصرُ الحياة العِملاقيُّ [...] فيكَ، وحينما يتكلّم هذا الأخير فإنَّ عقلَكَ الذي هو العنصر الديونيسوسي، إذا لم يَقْبَلْ، فإنَّ أكثرَ ما يستطيع القيام به هو التزام الصمت. صحيحٌ أنّ الشّعْرَ، أيضاً، يُكْتَبُ بِالجسد". اللغة والجسد يَتَوَاصَلان(من التواصل).
      اللغةُ-الرُّوحُ-قادتْ سيرنودا إلى الجسد، والجسدُ قَادَ إلى الشّعْر. الشّعْرُ، بِدوره، سَاعَدَهُ على اكتشاف الشّعب. تعاطُفُه مع الهنود الحمر، حينما يراهم في سوق، يصبحُ إدراكا تاريخياً: "لقد سقط الأسياد القُدامَى. وبدورهم انهزم الفاتِحون. سقطت الثورات ودخلت في النسيان. بينما هو استمرّ كما كانَ، مماثلاً لِنفسه، ترك نفسه تنغلق عليه، هَزَّاتٌ سطحيّةٌ للعالَم، الوجه الثابت للزمن. إنه الإنسان الذي تنعته الشعوب الأخرى بِاللَّاحَضَاري. كَم يستطيعون التعلم منه! هو موجودٌ هنا. هو أكثر من رجل: إنه قرارٌ في مواجهة العالَم". هذه الجمل، وبطريقة أقلّ اقتناعاً، كان يمكن أن تَصْدُرَ مِن مسافرين آخرين للمكسيك: لورنس، بروتون وبيري...ولكن سيرنودا لم يَجِدْ، ولم يُرِدْ أن يجدَ، المتوحّشَ الطيّبَ أو تجريداتِ الأنثروبولوجيين أو العقائديين. لقد بحث عن واقع شعبٍ كفيل بمصالحته مع شعبه الأصلي ومع ماضيه. لقد بحث في الشعب عن العنصر العِمْلاقي، كما يصفه: العنصر المظلم، السالِف. الحقيقة لحماً وعظماً التي تحيا وتصمد رغم الامبراطوريات وقوانينها، رغم الهياكل والقصور. الشعب هو الحجرة التي عليها يتأسَّس التاريخُ. الشاعر الصيني يقول: "الامبراطوريات تتكسرُ، وتبقى الجبال والأنهارُ". وأنا أُضيفُ: وتبقى، أيضا، الشعوبُ. يبحث سرنودا عن أصل ونهاية التاريخ والإمبراطوريات أي الواقع الإنساني. واقعٌ لا يتجلّى إلاَّ هُنَا والآن، في هذه اللحظة المُؤَرَّخَة من التاريخ، ولكنَّ هذا الواقعَ لا يَخْتَزِلُهُ التاريخُ.                                        
      لَقَدْ بَحَثَ سيرنودا وَوَجَدَ مَرْكَزَ الإنسان ولكنْ من أجل إضاعته سريعاً كما يَشَاؤُهُ قَدَرُنا الإنسانيُّ. هذا المركز يوجد هنا، وهو أرضيٌّ: "لا: لا يتعلق الأمر بِمَلاَكٍ ولا بشيطانٍ منفيّ. هذا الذي تتحدثُ عنه الآن هو الإنسان ولا شيء غير الإنسان، هذا الذي تتحدث عنه هو الأرض ولا شيء غيرها. هذان الإثنان: الإنسان والأرض، بمجرد ما يجدان الإنسجام الممكن بينهما فإنهما يَكْفِيَان بعضَهُمَا البعض [...] خلال بضعة ايام وَجَدْتَ مَرْكَزَكَ على أرض هذا البلد، لأن الأرواحَ أيضاً، لها، وعلى طريقتها، مَرْكَزٌ على الأرض. الإحساسُ بالغربة، الذي انتابك وسَكَنَكَ أنَّى رحلتَ وسَكَنْتَ، والذي هدأ هناكَ، نامَ أخيراً. لقدْ كُنْتَ في مكانك، أو في مكان يمكن أن يكون من نصيبك". الوعيُ بالمنفى كانَ شَيْئاً مُلازِماً لِـسيرنودا، ولكن في المكسيك، وأثناء فترات خارجة عن الزمن، تحوَّل هذا الوعيُ  إلى نقيضه أي الإدراك، حقيقةً، بأنّه في مكانه .
      في خاتِمة كِتَابِه يُلخّصُ سيرنودا معنى تجربته، يُحَدِّدُها ويُدافع عنها. في حوار شخصي(مع نفسه)، شبيه بِحِوار مورينو فييا Moreno Villa، المُحاوِرُ، الذي هو مُضاعِفُهُ، يُسائِلهُ: "توجد في هذا البلد أشياء كثيرة تستحقّ الاعتراض والاحتجاج. ألَمْ تَرَها؟". ويجيبُ: "كُلُّ شيء مرئيّ جيّداً، ولكنه الشّرْطُ، جزئيّاً، إذا لم يكن كُلّياً، من أَجْل وجود ما جئت أبحث عنهُ أي أرض هذا البلد وإرادته التاريخية، التي هي الشّعبُ". هي كلماتٌ تستحقُّ أن تُتَأمَّلَ والتي تساعدنا، في النهاية، على اكتشاف سيرنودا الحقيقيّ. إنّه يبحثُ عن الأرض، التي هي المكان الذي يجد فيه الإنسان مَرْكَزَهُ. لماذا المركز؟ الإنسان يوجد في عصيان أبديّ مع نفسه وفي مُصالَحة أبديّة معها: إنه جسدٌ وروحٌ، إنه نَعَمْ ولاَ، إنه شهيّة حيويّةٌ وافتتانٌ بالموت. الأرض هي مَرْكَزُ الأصل: لقد خُلِقْنا من الأرض ولِهذا فإننا نقول إننا، بعد الموت، نَعودُ إليها. الثقافةُ، هي الأرضُ، هذه النقطةُ، في الزمن وفي الفضاء، التي هي مَرْكَزُ الحركة والراحة: البداية والنهايةُ. لهذا فالشعب هو إرادة التاريخ: إنه البحث عن المركز. الكلام يجعل الروح تتواصلُ مع الجسد. الشِّعْرُ يجعل إرادة تاريخ الشعب تتواصلُ مع الزمن الراهن. التاريخ هو ما نقوم به وهو ما يُفَكِّكُنا، نَعَمْ، ولكِنَّ التاريخَ هُوَ أيْضاً لحظةُ الإدراك. التاريخُ هو الاكتشافُ، في الزمن الراهن، لِماضينَا. إِنَّهُ(أي التاريخ) المُصالَحَةُ التي، ومن أجل أن تتحَقَّقَ، تقتضي من الإنسان أن يرى ويقول: التاريخُ يكْتَشِفُ نَفْسَهُ في الشِّعْر.
                                                                                  أوكتافيو باث                          
وهذه ترجمات لبعض نصوص لويس سيرنودا نترجمها من اللغة الفرنسية:


I
 رَجُلٌ وَحُبُّهُ
      إذَا كان كلُّ شيء قد قيل،
      وإذا كانت الحسابات بيني ويبنكَ تَمَّتْ
      تَسْوِيَتُها، فمع ذلك لي دينٌ تجاه جسدكَ.

      من يستطيعُ البوح بثمن هذا السلام،
      حين أنسى نفسي فيكَ. وحين تعرف شفاهي أخيراً
      شفاهكَ؟
    
      في هدنة مع الحياة،
      لا أريد أن أعرف شيئاً، لا أتمنى شيئاً، لا أرجو شيئاً: حضورك وحُبّي.
      هذا يكفي.

      أنت وحُبّي، بينما، في الفجر، أتأمل جسدَ الذي يستريحُ.
      مثل إلهٍ يتأملُ مخلوقَهُ.

      ولكنّ حُبّي لا يستطيع شيئاً
      إذا لم يقبل جسدُكَ:
      لا يستطيعُ إلا أن يُشَكِّلَ أسطورةً في
      مادَّتِكَ الجميلةِ.






II
 مَعَكَ
بلدي؟
بلدي هو أنتَ.
شعبي؟
شعبي هو أنتَ:
المنفى والموت
هما بالنسبة لي
حيثُ لا توجدُ أنتَ.
وحياتي؟
قل لي، حياتي
من تكون إذا لم تكن أنت؟



 iii
اللُّغَةُ
       _وحين عبرْتَ الحدودَ وأنتَ في انتظار أن تسمع حواليك لغتَكَ وهي يُتخاَطَبُ بها، هذه اللغة التي لم تسمعها منذ سنوات طويلة، بماذا أحسستَ؟
      -لقد أحسستُ كيف أنَّ حياتي، وبدون انقطاع، استمرّت في ذاتها عبر العالَم الخارجي، لأنّ حياتي، عبر الداخل، لم تنقطع أبداً عن الرنين، في داخلي، طول هذه السنين.
    
      اللغة التي تَحَدَّثَ بها آباؤنا قبل أن نُولَدَ مِنْ صُلْبِهِمْ، اللغة التي نستخدمها لمعرفة العالَم وامتلاك الأشياء عبْرَ أسمائها، مهمة جليلةٌ مثلما هي مهمة في حياة كل كائن إنساني، وهي أكثرُ أهمية في حياة الشاعر. لأنّ لغة الشاعر ليست فقط مادّة عمله بل هي الشرطُ الضروريُّ لِحَيَاته.
      وإذا كانت أول كلمة تفوهتْ بها شفاهُكَ إسبانيّةً وإذا كانت آخر كلمة ستخرج من شفاهك ستكونُ إسبانيةً، وإذا كنتَ تحديدا وقدَريّا مُحدّداً بهاتين الكلمتين فإن الأولى والأخيرة هما كلمتا شِعْرِكَ. لأنَّ الشِّعْرَ، تحديدا، هو الكلمةُ.

      كيف لا تُحِسُّ بالكبرياء وأنتَ تَسْمَعُ لُغَتَنا، التي هي صدىً وفيٌّ لنفسها وفي نفس الآن تعبيرٌ مستقلٌّ، تتحدّثُ بها شعوبٌ أخرى في الجانب الآخر من العالَم؟ هؤلاء، سواء كانوا على علم أم لا، أرادوه أم لا، بعلامات أرواحهم هذه، والتي هي الكلماتُ، يحتفظون بِقَدَرِ بَلَدِنَا حيّاً، وسيحتفظون بهم حتّى إذا توقّف بلدنا عن الوجود.
      بجانب هذا القَدَر. كم تبدو أقْدار اللغات الأخرى ضيّقة الأفق وسهلة الاندثار، ويا لَهُ من امتنان يحسُّ به الصانع المظلمُ، الحيّ في داخلك، بهذه اللغة التي هي، اليوم، لُغَتَكَ تجاه هؤلاء الذين أعطوا للُّغَةِ، ومنذ أربعة قرون خلتْ، قَدَراً كونيّاً بِالقلم والسَّيْف. لأنَّ الشاعر لا يستطيعُ أن يُحَصِّلَ لِلُغَتِه هذا القَدَرَ إذا لم يُدعّمْه البَطَلُ، وهذا الأخير لا يستطيع فِعْلَ شيء دون إسنادٍ من الشاعر.


iv
تُجَّارُ الوُرودِ                

      البروتستانتيون، الذين يغطون العالَم بالمصانع ويحرقون فيها حيواتهم(ليس دونما ربح، كما يبدو)، يجب عليهم أن يضحكوا من هؤلاء النّاس الذين لا يحصدون، من قطعات أرضهم، غيرَ بعض الزهور. واقفين أو قاعدين القرفصاء، على جانبي الطريق، الزهورُ مُغَطَّاةٌ بِشالات طويلة، والرجال مُحتمون في قبعاتهم الواسعة المصنوعة من القشّ. بَاقةٌ صغيرةٌ من الورود أو القرنفل في كلّ يد، وباقات أخرى على الأرض، في عُلَبِ التصبير، ينتظرون، ينتظرون دائماً.
      السيارات، التي تمرُّ، قليلةٌ، أقلّ، ربما، من أن يكون ضروريّاً بالنسبة لبعض أفراد المجموعة، افتراضا أن يكون محظوظا لِبيع أزهاره، أن يستطيع أن يجمع بعض النقود البئيسة كلَّ يوم. ولكنهم يبقون، هنا، يوما بعد آخر، وأخيرا حين تحين الفرصةُ، يُحيطون بالسيارة دون إظهار أي تنافس، وفي أيديهم، شكلٌ ولونٌ ورحيقٌ، العَرْضُ الأكثر جمالاً لِبَاقاتهم الصغيرة.      
      تحت جانب القُبّعة، على إحدى الوجوه الطرية التي بالكاد خرجت من الطور الطفولي، أيّة حدّة في نظراتهم! شفاههم تلتزم الصَّمْتَ، ولكنْ كثيرةٌ هيَ الأشياء التي تقولها العيون، والتي يقولها حقيقة! ألا يعرف(يفهم) رجال الصناعة البروتستانتيون، هناك، بِأن الفقرَ يمكن أن يكون نزعة كبرياء متشددة؟ كيف يمكن تصورّ وجود ناس، لا نستطيع حتى القول إنهم يفضلون أن يكونوا من الأخيرين، لأن الأمر بالنسبة لهم لا يتعلق بالأوَّلين ولا بالأخيرين؟
      بمجرد ما نشتري الزهور بفضل النقود، فإننا نوَدّ تركها في هذه الأيدي. المال، كارتياح هزيل للضرورة، الزّهور، كإتاوةٍ غير كافيةٍ  لِكرامة حيواتهم ورشاقة أجسادهم وبلاغة وجوههم. لأنَّ الجمالَ يُغَذّي، وبدون الجمال، كما الحال بدون الخبز، فإن الإنسان يستطيع الانطفاء.



v
مركز الإنسان
       لقد عشتَ، وخلال سنوات عديدة، جسدُكَ في مكان وروحكَ في مكان آخر. بينما الضرورة تربطكَ من جانب، الذوق والحنان يجذبانك إلى جانب آخر. المتفائلون، بادعائهم أنَّ الوضعية المفضَّلةَ تحديدا هي الوضعية التي يوجدون فيها، ينسون أنَّ العقلَ، مثلما الجسدُ، لا يستطيع العيشَ في أجواءَ غير مواتية، أو بالأحرى، غريبة. إنه ينتقمُ (مِمَّنْ؟) بصيغة أخرى: السقوط في المرض.
      لاَ: لا يتعلّق الأمر لا بِملاكٍ ولا بشيطانٍ منفيّ. الذي تتحدث عنه هنا هو الإنسان، ولا شيء غيره، الذي تتحدث عنه هو الأرض ولا شيء غيرها.هذان الإثنان، الإنسان والأرض، حينما يعثران على هارمونية ممكنة بين الواحد والآخر، يكفيان بعضهما البعض. وأنت لا تدّعي أنَّ حياتكَ يمكن أنْ تُصْبِح إحدى الحيوات النادرة التي ينقصها ما يسمّى الهارمونية، لأنّكَ تعرف جيداً، ولهذا السبب قرّرتَ أنْ تَحْكي عن هذا، أنَّه من جرّاء هذا المُصابَ أُصِيبَ العديدون، وتعرفُ أنّكَ لا شيء آخر غيرَ واحد من بينهم.
      منذ عدة أيام وجدتَ مركزكَ على أرض هذا البلد، لأنَّ الأرواح، وعلى طريقتها، لها، أيضاً، مركزٌ على هذه الأرض. الإحساس بالغربة، الذي ساوركَ منذ وقت طويل في الأمكنة التي ارْتَدْتَهَا، وهدأ هناك، نام أخيراً. لقد كنتَ في مكانكَ، أو في مكان يُفْتَرَضُ أن يكونَ مكانكَ، مع الجميع أو تقريباً في توافق، والأشياءُ- الهواء والضوء والمشهد والمخلوقات- كانت صديقةً بالنسبة لكَ. وكذلك لو نُزِعَتْ شَّاهِدةُ القَبْر من فوقكَ كنتَ ستعيشُ وكأنّكَ بُعِثْتَ من جديد.
      في طائرة الرجوع، ساعة الغروب، رأيتَ، من جديد، ومن خلال كوّة الطائرة، سَمَاءَ وأرضَ الشمال، بينما كانت، حاضرة، في خيالِكَ هذه السماء الأخرى، هذه الأرض الأخرى، وقد كانت مختلفةً إلى حدِّ أنّه رغم تركِكَ لها وراءكَ، كانَ عليكَ إخفاءَ دموعكَ المبَلَّلَة. ولمرّة أخرى، احتفظتَ بتأثُّرِكَ لنفسكَ(ولِمَنْ من الناس غيركَ، تستطيع إحدى تأثراتكَ أن تكون لها قيمة؟)، بإعطاء القيمة، فيما يبدو، للذين يتهمونكَ بالجفاف والجفاء.                


vi
الهنديّ الأحمرُ
      مع أولاده أحيانا، ووَحْدَهُ أحْيَاناً أخرى. وهو يبيع أشياء يبدو أنها لا تعود عليه بكبير شيء. أو بدون مبرر لِحُضُوره الجامد. عاريَ القدمين وجالِساً القرفصاء على التراب، قبعته المصنوعة من القش تُغَطّي عينيه، أو ربما نستطيعُ أن نُخمّنَ بما يُحِسُّ به أو ما يفكِّرُ به، انظرْ إليه.
      الأسيادُ القُدَامَى يَتَسَاقطون. وبدورهم انهزم الفاتحون. الثَّوَرَاتُ تَتَسَاقَطُ ويتمُّ نسيَانها. بينما هو، أي الهندي، يواصل العيش كما كانَ، مُشَابِهاً لِنَفْسه. لقدْ تَرَكَ الوجهَ الجامدَ يَنْغَلِقُ على الهزّة السطحيّة للعالَم.
      إنه الإنسان الذي وصفته الشعوب الأخرى بالغير-متحضّر. كم يستطيعون التعلّم منه! إنّه موجود هنا. إنّه أكْثَرُ من إنسان: إنّه قرارٌ في مواجهة العالَم. هل يوجدُ أفضل من هذا؟ هل يوجد أخطر؟ من يعرف؟ أنتَ، على الأقل، أنت اعترفت بأنَّكَ لا تَعْرِفُ. ولَكِنَّكَ في أعماق أحشائك تَعْرِفُهُ.
    انظر إليه أنت التي ترى نفسك شاعراً. وتُبادِرُ إلى حيثُ تؤدي الانشغالات والطموحات والمعتقدات. هو، الذي لا يملك شيئاً، ولا يشتهي شيئاً، ثَمَّةَ بعضُ الأشياء الإضافية تُدَعِّمُهُ، بعض الأشياء التي يطالبُ بها، ضمنيّاً، منذ قرون. ومع الأسف فإنّ القَدَر لم يجعلك تولَد كَوَاحِدٍ من صُلْبِهِمْ.
      سَيَكُونُ، مُبَالَغاً فيه، استدعاءُ طيشه أمام الفقر، لااكتراثِهِ أمام المصائب، موافَقَتِه أمام الموت. ولكن، لكَ الشكرُ يا ألَّلهُ، لأنّكَ خلقتَه وأنقذتَهُ، شكراً لأنّك سمحتَ لنا برؤية إنسان لا يَعْتَبِرُ عالَمَكَ معْرِضاً مجنوناً ولا كرنفالاً غبيّاً.


vii                    
العينانُ والصَّوْتُ
      الذي يُمَثِّلُه الانسانُ، إذا كان شيئاً ما، هو عَبْرَ العينين وفي الصوت الذي يُظْهِرُهُ، إلى حدّ أن العينين والصوت تستطيعُ لوحدها أن تفوز بالذي ينظر والذي يسمع. حتّى الجسد الذي يثير الإعجاب، مهما كانت درجة جماله، يحتاج إلى أشياء إضافية: بريق من الضوء، صدى من الموسيقى. الضياعُ في صوت، الإحتراقُ في العيون! من الذي لَمْ يَشْتَهِ هذا ولو مرة واحدة؟
      لقد عشتَ، منذ سنوات، مع أُناسٍ ذوي عيون منطفئة وذوي صوت يخفي أي تعبيرية. ورغم هذا فإن الكثيرين من هؤلاء الناس لا تنقصهم الجاذبية والسِّحْر، ولكن عيونهم كانت، في أحسن الأحوال، مِيَاهاً جامدةً، وفي أسوإ الحالات، نوافذ صغيرة. هل توجد، ثمة، أشياء في الداخل؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، وإذا كُنتَ شككت أكثر من مرة، فإنَّ هذا الشيء قد مات.
      وأصواتهم، التي هي إمّا: حقودةٌ وإمّا مُحْتَقِرَةٌ ومُزْدَرِدَةٌ، بين الأقْصَيَيْن، الضجيج، الضجيج، الضجيج. ولا أي اهتزاز. أصواتٌ جاهلة مثل هذه (ثقافة: تراث الأصوات التي لا تهتم بشيء)، دونما تغيير (في طبقات الصوت)، دونما مداعبة، أصواتٌ من أجل التجارة الكبيرة أو من أجل الضرورة، ولا شيء أكثر من هذا.                                                                                                                                      
     
      بعضُ الأصوات، أو لا شيء ربما، جاهلة هنا. رغم الخشوع والتواضع الذي يصدر من الذي يتكلم، فإنَّ اللغة المستَعْمَلَةَ فيها أناقةُ تعبير. كلام مُحدّد، لغة كلاسيكية، دون صيغ جُمَلِيَّة سوقيّة وشاذّة ولا نبرات عاميّة(من عامة الشعب). وكم تَرِنُّ، هذه الأصوات الواضحة، الحريريّة، مع صخب الحرير البارد والأنيق!
      هذه العيون المُعَتَّمَةُ، ذات النظر الذي يتأخَّرُ، والتي تلمسُ وتَلِجُ، عيونٌ حيثُ تكشف الرّوح عن نفسها، العيون التي هي نفسها الرّوحُ. بالصدفة، وبطريقة غير منتظرة ومفاجئة، تتفتَّحُ(العيون) وتسقط عليكَ كَسَمَاءٍ محترقةٍ في المغيب، تارِكةً في نفوس الذين رأوها نشوةً غير مكتملة، ومع هذه النشوة رغبة في رؤيتها تتفتّح من جديد في الغد.
        يُوجدُ الذين يَضِيعون عن طريق الطمع والذين يَضِيعون بواسطة الغرور والزُهوّ، الذين يَضيعُون بسبب الطموح والذين يَضِيعون بِسَبب عدَم رغْبتهم في الضياع. يُوجدُ الذين يَضِيعون بِسَبَبِ مَخلوقٍ وأنتَ تضيعُ من أجل العيون والصوت. تستطيعُ مُلاحَقَتَهُمْ حَتَّى الجحيم( هذا إذا لم تكن في الطريق)، من أجل كلمة، من أجل نظرة، وأيضاً، الثمن الذي لا يبدو لكَ غالياً(مرتفعا).            

ترجمة وتقديم مـحـمـد الـمـزديـوي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...