الناقد عبد الله إبراهيم: أعظم السير الذاتية دونها أصحابها قبل سن الخمسين
الأربعاء 5 ديسيمبر 2007
عام - صحيفة "الشرق الأوسط"
باريس: محمد المزديوي
حوارنا مع الناقد والباحث العراقي عبد الله إبراهيم، طال الكثير من القضايا الأدبية والفكرية، التي قد لا يتسع المكان لذكرها هنا. لكن القارئ سيجد بالضرورة في الحوار أفكارا مزعجة للكثيرين من نظرائه الكتاب والمفكرين العرب، منها أن عليهم التوقف عن الكتابة حين تنضب مخيلتهم ويشيخون. وقد استعرض الناقد وصاحب الدراسات الألسنية خلال حديثنا معه، أسماء كتاب غربيين عرفوا كيف ينصرفون حين تعبوا واصطدموا بالجدران، مثل تودوروف وكريستيفا وغيرهما، فصاروا يشتغلون على مواضيع أقل استدعاء للطاقة الجسدية والذهنية. ومما قاله أن كتاب إدوارد سعيد «خارج المكان» يعتبر من أهم الكتب عند سعيد وعند العرب، ويقدم إبراهيم قراءة سريعة للكتاب تستحق التمعن انطلاقا من قضيتين. وفي رأيه أيضاً أن ثمة توهجا لـ«كتابة نسوية عربية» جديدة تحدث حراكاً في أرض راكدة. كما أن القارئ سيعرف بأن عبد الله إبراهيم الذي له اكثر من 14 كتاباً في مجال النقد الأدبي والألسني، من بينها «السردية العربية»، «معرفة الآخر» و«التفكيك: الأصول والمقولات» و«البناء الفني للرواية العربية في العراق» و«التلقي والسياقات الثقافية» يسجل يومياته منذ شتاء 1976 ولديه 10 مجلّدات من اليوميات الشخصية.ابتدأنا حوارنامع الناقد عبد الله ابراهيم بالقول إنه من المفيد معرفة أن الكاتب أو الباحث يمكنه في لحظة معيّنة من حياته أن يحسّ بالتعب أو بأنه لم يعد يستطيع أن يشتغل كما كان يفعل، حين كان جسمه يطاوعه بشكل كبير، وأحيانا مغامر. هنا تدخل الدكتور عبد الله إبراهيم وقال: «الفكرة التي أركز عليها بشكل دائم ولا أخاف منها، بل وأريد أن أشيعها حتّى بين زملائي الكُتّاب هي أن الانسان/الكاتب حين يجف، ويشعر ان ليست له قدرة أن يأتي بجديد، عليه أن يحافظ على الوضع الذي يتواجد فيه. ولو مضى متوهما أن لديه القدرة على إنتاج الأفكار يكون قد سقط ضحية أوهامه، وهذا ما يحصل حين يتحول المُفكر إلى ما يشبه المُعلم يُعيد إنتاج أفكاره إلى حدّ الملل ومن ثم يُخرّب نفسه بنفسه. أنت تقول لي بأنه يمكن أن يتحول إلى نوع آخر، هذا التحول ليس سهلا، لأنه لكي تتحول إلى ميدان معرفي آخر عليك أن تبني ثقافة ومعرفة في هذا الميدان قبل أن تنتج. لو افترضنا أن شخصا وصل الخمسين وشعر أنه لم يعُدْ قادرا على إنتاج أفكار جديدة في الميدان الذي عُرِفَ فيه أو تمكَّن منه ثمّ قرّر التحول إلى ميدان أو نوع آخر، تَصَوَّرْ ما هو الوقت الذي يحتاج إليه كي يبني ثقافة أولا في هذا الميدان الجديد! إنه يحتاج إلى وقت طويل».> لكن قراءاتك أنت، كانت متنوعة جدا، وبالتالي بمستطاعك مثلا أن تتحول إلى مواضيع كنت تدرسها وتؤرشفها، وهي موضوعة على جنب، لكي تكتب فيها، ولأول ومرة. ـ فكرة الكتابة لا تتجلى في كونك تمتلك أشياء، ولكن في امتلاك رؤيا ومنهج وأيضا هدف. أشاطرك الرأي في أني اشتغلتُ في ميدانين: المركزيات الثقافية والسرديّات. وبعدها ربما تمكنتُ من أن أربط بينها. حيث أعتقد، الآن، أن كل مركزية ثقافية قائمةُ على الإيمان بسرد مخصوص. إن كل تعصب وكل غلوّ وكل تمركز حول الذات قائمٌ على الإيمان برواية. إيمان المسلمين بالرواية القرآنية لتاريخهم جعلهم يؤمنون بأنّ الاسلام هو آخر الديانات. واليهود أقاموا الدولة على أساس رواية التوراة، وإقناعهم العالم بأن هذا السرد هو الصحيح، والمسيحيون لا يختلفون عنهم. كل تمركز يقوم على الإيمان بسرد معين. أنا لا أزال أعتقد أن على الكاتب الذي يزعم امتلاك وعي نقدي للظواهر الدينية والثقافية والاجتماعية، أن يُمارس النقد تجاه نفسه أولا. ولهذا أعتقد أن الكثيرين من الكُتّاب العرب، والبعض منهم من جيلي، وصلوا إلى خطّ النهاية، وبالتالي فأمامهم حَلاّن اثنان، إمّا أن يتوقفوا عند الذروة محترمين الجهود التي حققوها، وهذا ما أقترحه، أو ان يعيدوا تكرار أنفسهم إلى حدّ المَلل ويُخرّبوا مشروعهم. الموضوع ليس فيه خداع لأن الحراك الثقافي إذا لم يكن فيه عبد الله إبراهيم ففيه غير عبد الله إبراهيم. القضية لا تتوقف على الأشخاص. هذه الفكرة كثير من زملائي الكتاب لا يقبلونها، بل هم يرفضونها ويقدمون حججا كثيرة من أجل إبراز بطلانها. أنا أعتقد أن عُمْر المفكر أو الكاتب عُمْر افتراضي، وأنا شخصيا أجد أن سنّ الخمسين هي السن الافتراضية الرمزية حيث يستطيع جسديا وذهنيا أن ينتج الأفكار، وفيما بعد يصبح الانسان أكثر ميلا للضعف والخمول ويبدأ أيضا، مع العمر، في تجنب إثارة الأفكار الخِلافية، يريد العودة إلى علاقات ودّية مع المحيط الأسري والاجتماعي والديني. أقاطعه، ومع السلطة أيضا؟ فيجيب متحمساً: «نعم...أعطيك مثالا، كتابة السيرة، أنا أظن أنه من الخطأ القول إنّ السيرة تُكْتَب في نهاية العمر، لأنّنا في نهاية العمر لا نستطيع أن نَجْهَر بالحقائق، وإنما نتستّر عليها ونتكتّم ونهادن، لأننا نبدأ نخشى على أولادنا وأحفادنا ونسائنا وأقربائنا. في حين أنه في سن الخمسين، تكون لدى المبدع، القدرةُ على الإفصاح عن نفسه، ثم إنّ كلّ التجارب الحقيقية، الذهنية والجسدية، تحدث في هذه الفترة، إذنْ فَلِمَ لا نُفصح عنها ونحن فيها!؟ أرى أنه مع تقادُم الزمن يحاول المرءُ أن يلطف الحقائق وربما يزيّفها. ثم إنه ليس من حقنا أن نطالب شخصاً أن يفصح عن حقائق هو لا يريد الإفصاح عنها. كما إن أعظم كُتب السيرة ظهرت لأشخاص دون الخمسين، ومن ضمنها اعترافات جان جاك روسو التي كتبها وهو في بداية أربعينياته، وهي النموذج الأعلى للاعترافات».> أسال الدكتور عبد الله إبراهيم، العائد للتو من زيارة طويلة، ما هو الكتاب الذي رافقك في سفرك الذي شمل ثمان دول؟ ـ «إنه كتاب واحدٌ فقط. في رحلتي السابقة أخذتُ معي «دون كيخوته» وهذه المرة كتاب «خارج المكان» لإدوارد سعيد، بدأت قراءته في اسطنبول وانتهيت منه في باريس. كتاب مهمّ ويتضمن قضيتين أثارتا، بشكل كبير، انتباهي: القضية الأولى تستحق أن تُدْرس بعمق، وهي الشخصية الهشّة والمهشمة والمنكسرة في أعماق إدوارد سعيد في علاقته بأبيه وأمّه، ولا شكّ أن هذا الكتاب من أهم الكتب التي تحدد علاقة الشخص بأبويه، وبشكل خاص بأمه. وقد رسم الكاتب صورة تفصيلية لهذه العلاقة المتوترة، مع الأب والأمّ. علاقته مع الأب قائمة على الجفوة والقسوة، وعلاقته مع أمه قائمة على الاستحواذ والاستئثار، لم يكن ثمّة حبّ سويّ. كانت أمه تريد أن تستحوذ عليه وهي تُجري تفريقا بينه وبين أخواته الأربع. هذا الكتاب هو نص نادر المثيل على بيان الملابسات التربوية في مجتمعاتنا الشرقية. أما القضيّة الثانية، وهي الأشدّ، وعليها قام عنوان الكتاب، والتي يشير إليها إدوارد سعيد ما بين عشر واثنتي عشرة مرة، هي أنه يوجد «خارج المكان»، في الكتاب. ويقصد فيه أنه عالق بين الثقافات والأمكنة الجغرافية. فلا هو فلسطيني ولا عربي ولا هو مسيحي ولا أميركي ولا هو ذو ثقافة إنجليزية ولا ثقافة عربية. هو خليطٌ من كل هذه معا. ليست له هوية، هو خارج المكان الذي يُحدّده الآخرون وينمّطونه. وهو يشبه تزفيتان تودروف، وأنا قرأت مقاله الأخير عن سعيد، الذي ترجمته أنت شخصيا في مجلة «أوان» البحرينية. معنى هذا أن الإنسان يشعر أحيانا أنه لا ينتمي إلى مكان. يمكن أن تكون الترجمة الفكرية لعنوان إدوارد سعيد هو «اللامنتمي» أو «الرجل العالق بين الثقافات».. وأنا أعتقد أن هذه هي عظمة إدوارد سعيد. عاش في نوع من التوتر وإحساس بعدم الانتماء وكان أسلوبه قويّا وكان في شخصيته الثقافية نوع من التوهج والتوقد لأنه لم يكن نتاج وضع مستكين ورسمي، كان يشبه في هذا فيورباخ الألماني الذي عاش في اسطنبول وكتب عن فترة المنفى، وتودوروف. هناك قسّ فرنسي انجليكاني عاش في القرن الثاني عشر، يقول بأن الانسان الذي يحب مكانا معينا، وطنا معينا، هو إنسان غرّ، وجاهل طري العود. والانسان الذي يعتقد أن العالم بأجمعه وطن له هو ناقص الهوية. الإنسان الكامل هو الذي يطفئ جذوة الحب في نفسه، إنها إذن هي فكرة إدوارد سعيد وتودوروف وفيورباخ. هذا العالم يقتضي ألا ننتمي إليه. إنه عالَم هويات مغلقة دينية وعرقية وثقافية وإدارد سعيد كما يقول في نهاية الكتاب ما كان له أن يظهر كمفكر كبير وناقد مرموق، كأحد أهم نقاد القرن العشرين، إلا بعد أن اختفى أبوه وأمه، حيث بدأ يُعيد صنع شخصيته مرة أخرى».> قلت لعبد الله إبراهيم، مقاطعا: وكأننا نعيد الأسطورة القديمة لقتل الأب. ـ نعم، أي القتل الرمزي للأب. والغريب أن معظم أفراد سعيد لاقوا حتفهم بالسرطان، إذ أن أمه وأباه وهو ماتوا بهذا الداء.حين سألنا إبراهيم عن انشغالاته ومشاريعه الحالية، قال:ـ أعتقد أني قلت ما أستطيع قوله، خلال 25 سنة الماضية. وسوف لن أكون غير دقيق معك إن قلت بأني مشغولٌ بأفكار كبرى، كما كانت لديّ قبل ربع قرن. إنما أستكمل فراغات وبياضات ومناطق لم أتمكن من سبرها وأنا أشتغل على مشروعي المركزيات الثقافية والسرد. الآن أحاول أن أملأ الفراغات، ومن ضمنها موسوعة السرد. وهو عمل أخذ مني عشرين سنة متواصلة، لكن ينقصني فيه الكثير. صحيح أن العمود الفقري للكتاب الذي يتناول الظاهرة السردية العربية في دلالتها الثقافية، وليس دلالتها الأدبية، يغطي زمن 1500 سنة، من العصر الجاهلي إلى نهاية القرن العشرين، لكن حين أنظر، كناقد إلى بنية كتابي، نظرة نقدية، أجد فيه مناطق فارغة كثيرة. ولهذا بدأت، منذ ثلاث سنوات أعمل على ما أسميه، بالاستدراكات المتواصلة، فانتهيت من إنجاز كتاب كامل عن «الرواية النسوية» الذي سيشكل فصولا من موسوعة السرد. إذ في هذه الموسوعة يوجد فصلٌ واحد فقط عن السرد والجسد، لكن ظاهرة الرواية النسوية أعتبرها، في العقدين الأخيرين، أخصب ظواهر الكتابة الروائية العربية. طبعا أنا أفرق بين «رواية النساء» و«الرواية النسوية». الأولى هي الرواية التي تكتبها المرأة عن العالَم وعن الأجواء التي تحيط بها. أما الرواية النسوية فهي رواية قائمة على فرضية الأنوثة، أي هي نص يحتفي بالأنوثة والجسد. إذن فكتابي القادم يركز على الرواية التي تقوم على فرضية مسبقة ومتقصدة وهي الاحتفاء بتصوير الجسد ووصف الأنوثة، وفيه تحليل لحوالي 25 رواية نسوية عربية صدرت خلال العشرين سنة الأخيرة، وخاصة في العقد الأخير، ونقد قاسٍ لفكرة الاحتفاء بالأنوثة، كمكون استعراضي وليس كمكون جوهري. أفكر بالطبع في نشره كتابا مستقلا، ولكن وأنا أكتبه قلت سأملأ به النقص الموجود في بنية موسوعة السرد العربي. وصرت في الآونة الأخيرة استمتع بالأسفار أكثر.حين رغبنا في معرفة إن كان يفكر في ولوج كتابة المذكرات واليوميات ومحكيات السفر، قال:ـ إنني أسجّل يومياتي الشخصية منذ شتاء 1976 ولديّ 10 مجلّدات من اليوميات الشخصية لأكثر من ثلاثين سنة. وقبل أن ألج ميدان الكتابة عن هذا الجنس الأدبي يهمني أن أرتحل وأسافر وأعيش وأتعرف وأستمتع، وأمضغ تجربة السفر بالمعنى الذهني والروحي. إنها متعة تفوق متعة الكتابة، لأن الكتابة عن الرحلات هي استعادة أسفار، أما الأسفار نفسها فهي الجوهر الحقيقي.
تعليقات
إرسال تعليق