التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عن أحلام الهدهد

محمد المزديوي في باكورة قصصية : تمارين على المشاهدة 

تفاصيل النشر:

المصدر: الوسط
الكاتب: زياد العارف
تاريخ النشر(م): 13/11/1995
تاريخ النشر (هـ): 20/6/1416
منشأ:
رقم العدد: 198
الباب/ الصفحة: 77 - مراجعات كتب
"لم تستطع أن تكون صريحة عندما وضعت حدّاً لعلاقتنا. صعقت بكعبها العالي كلّ أسطوانات نجاة الصغيرة التي أعشقها. لم تغلق الباب وراءها. لم تفكّر أن تترك على السرير الفوضوي رسالة تقول فيها "وداعاً، العلاقة انتهت"، أو تعلن أنّها انتهت من جانبها. على عجل جمعت حوائجها ولم تترك رائحة عطرها التي كانت تتعمّد التعطّر به، وحتّى رائحة جسدها التي كانت تتراكم في سريرنا لم تتركها كذكرى. أخذت كل الشراشف ورمتها في آلة الغسيل التي وجدناها في الغرفة عندما اتفقنا على أن تكون مكان حريّتنا القصوى."
هكذا يروي محمد المزديوي. هكذا يرفع الستار عن ديكور أولى قصص مجموعته وهي بعنوان لا يخلو من التشويق والغرابة: "عمّي أحمد لا يعرف لوركا". يباشر في السرد، وكأن الحديث بدأ منذ زمن، كمن يعترف بأشياء حميمة لصديق مصغ سيفهمها بلا شكّ، وسيوليها حقّ قدرها من الاهتمام. فجأة يقحمنا في عالم حميم، تسكنه الروائح والتفاصيل الصغيرة، ويخيّم عليه حزن هازئ هو نفسه على امتداد مجموعة "أحلام الهدهد" الصادرة في باريس عن "دار جلجامش"، تلك الدار الناشئة التي يشرف عليها الشاعر العراقي شموئيل شمعون، والتي أصدرت حتّى الآن نصوصاً لافتة بينها رواية ومجموعة قصصية للزميل حسّونة المصباحي.
ويبقى الراوي بطل القصّة الأولى وحيداً، يستوعب القطيعة. من دون أن تنعقد الأحداث وتتطوّر وتتقاطع، فتصل بنا التداعيات إلى العمّ أحمد وحكايات بطولاته الحربية. كأن القصّة خاطرة، تعترينا، ملامح موجزة من حلم عاجل، تفاصيل منسية كان يمكن التروّي في نظمها ونسجها وصياغتها في سياق أكثر تماسكاً وامتداداً. لكن ما يغري هذا الكاتب المغربي الشاب قبل كلّ شيء هو غرابة اللحظة، وتقاطع العناصر.
وتأتي الزيارة العابرة إلى مقبرة "بار لاشيز" الباريسية، طالعة من فيلم لجون كازافيتس، فتفرض العفوية نفسها على النصّ من غير صناعة، أو غاية: مشهد زائل كما في "كلب ماري جوزيه البرتغالية"، أو مشروع حكاية لم تكتمل، كما في قصص أكثر نضوجاً مثل "خيانة" و"أحلام الهدهد". أكثر أو أقلّ؟ من قصص، تبدو نصوص المجموعة - وكل منها مهدى إلى صديق - رسائل، تمارين على المشاهدة، بيانات أملتها حساسية متوقّدة للاعلان عن رغبة ما، في تجاوز "الأخطاء" واستدراكها. في الخروج من مختبر الذات إلى عالم أرحب، لو تسنّى للتجربة أن تكتمل، للرحلة أن تفضي إلى مكان ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...