التخطي إلى المحتوى الرئيسي

والتر بنيامين والعرب Walter BENJAMIN


مأساة مثقف ألماني أثرى أدبيات اليسار العربي
كتاب فرنسي جديد عن والتر بنيامين
باريس: محمد المزديوي
تأثير المفكر والمنظر الألماني والتر بنيامين على النقد الأدبي والتنظير السياسي أيضا كبيرٌ، خصوصا على اليسار العربي، ومن كان يقرأ مجلتي «الحرية» و«الهدف» الفلسطينيتين وأيضا مجلات اليسار العربي في السبعينات والثمانينات، كان يفاجأ بالعودة المستمرة إلى هذا المفكر والمنظّر الألماني وإلى مفكر إيطالي آخر هو أنطونيو غرامشي. لقد ساهما في التأثير على أدبيات اليسار وانتقل تأثيرهما، بالطبع مع مفكرين آخرين، من قبيل جورج لوكاش ولويس ألتوسير، إلى مجال الأدب والنظرية الأدبية.
ومن الضروري التذكير بأن الباحث والمفكر والناقد الفلسطيني فيصل درّاج يعتبر من أهم من اشتغل على أعماله، ونقل النظرية، بعد تعريبها بالطبع، إلى حقل الدراسات العربية.

لا يبدو أن المعتقد الديني للمفكر الالماني والتر بنيامين كان مانعا من انتشار نظرياته عربيا، إذْ أن «مؤلفات ومراسلات بنيامين لا تعطي أية معلومة عن معتقده، على الرغم من أنّ مقولات الثيولوجيا اليهودية لم تتوقف عن توجيه فلسفته في اللغة والتاريخ وفي تصوره عن السياسة أو النقد الأدبي» (143). كما أن «اليهودية تظل، بالنسبة له، غريبةً كشعور قومي، ولكنه اعتبر أنه من الشرعي خلقُ إمكانية للتواجد، بالنسبة لليهود المهدَّدين في فلسطين»(144). لكنه «كان يؤمن بضرورة بقاء الآخرين (غير المُهدَّدين) في أوروبا، وطنهم الأصلي»(144). ولكن ماذا عن الصهيونية؟ قسّم بنيامين بين ثلاثة أصناف من الصهيونية: «الصهيونية في فلسطين بدتْ له مُناسِبة لضرورة مادية، ثم الصهيونية الألمانية التي كان حَذِرا منها، في حين أن الصهيونية الثقافية التي تُصُوِّرتْ كتعميق للقيم اليهودية فقد كان بنيامين يجد ضالتّه فيها»(144). وليس خافيا على أحد أن أفكاره تطوّرت مع الزمن ، فها هو شوليم Scholem، أحد أصدقائه والتي تبادل معه الكثير من المُراسلات، يرى بأن «بنيامين بدأ يفكر بطريقة إبجابية في مسألة الهجرة إلى فلسطين على الرغم من انتقاده اللاذع للصهيونية الزراعية. وقد كان يرى بأنه يتوجب على الصهيونية أن تتخلص من ثلاثة أشياء: الهوس (أو الميل الغريب) الزراعي والأيديولوجيا العِرقيّة وفكرة الدمّ والمعيش» (145)7

هذا الكتاب الذي بين أيدينا يضمّ 866 صفحة، ويضم أربعة أجزاء. هي: «ما بين قيامتين: مأساة مثقف يهودي ألماني»، و«اللغة، الفلسفة والسحر»، و«الاستيتيقا والسياسة: مشروع استيتيقا مادية»، و«مادية وفكرة الخلاص»، وهو من تأليف جون ـ ميشيل بالميي» Jean-Michel Palmier (1944 ـ 1998)، الذي اشتغل مدرّسا للاستيتيقا وعلوم الفن في جامعة باريس الأولى، كما أنه اشتهر بكونه متخصصا في التيارات الفنية والأيديولوجية في جمهورية فايمار. وقد قام بتصدير الكتاب وتوثيقه أحد تلامذة «بالميي»، «فلورونت بيريي»Florent Perrier.
ويتميز هذا الكتاب بجهد توثيقي بالغ، كما أنه يشتمل على هوامش توضيحية مسترسلة هي في حد ذاتها تشكل كتابا ثانيا. ويعترف المؤلّف بأنه انخرط بشكل تام في تتبع مسار والتر بنيامين الحياتي والفكري: «آليتُ على نفسي قراءة كل الكتب التي قرأها والتر بنيامين، وأن أرسم بعناية مساره الفلسفي والسياسي والإستيتيقي...»(الغلاف الأخير).

ويؤكد مارك جيمينيز Marc Jimenez الذي كتب تقديم الغلاف الأخير من الكتاب، أن «هذه القراءة «التاريخية والنقدية» إن لم تكن تقترح على نفسها «تأويلا جديدا»، ولا محاولة تركيبية للعمل، فإنها تقدّم، على الرغم من ذلك، المفاتيح التي تتيح تفكيك رموز الغموض والاستغلاق المزعوم لبنيامين. إنها تبدد سوء الفهم والكليشيهات عن «الحاخام الماركسي» ضحية تردداته، وسجين تناقضاته، الذي يجد نفسه باستمرار، في مأزق، محولة إلى ورطة غير قابلة للحلّ، البديل ما بين المادية التاريخية والثيولوجيا. إن هذه القراءة تسدّ ثغرات معرفة شذرية وجزئية، هي في معظم الأحيان، عرضة للاطناب والاختزال وتركّز بشكل مبالغ فيه على نفس الثيمات (الهالة، المتسكع، السينما، التصوير الفوتوغرافي..)».

وليس من المبالغة التذكير بأن هذا الكتاب يعتبر الآن من أهم ما كتب عن المفكر الراحل، وبالتالي يصبح من العسير الإحاطة به في هذه العجالة التقديمية. وليس أدل على ما نقول من الفصل المكرّس للمنفى الفرنسي للمفكر ثم انتحاره المأساوي على الحدود الفرنسية الإسبانية، وفيه بعض الإجابات على من كان يتصور أن رحلته الفرنسية هي رحلة ترف: «إنّ رفض اعتبار والتر بنيامين «مهاجرا سياسيا»، نابعٌ من تحديد بالغ الصرامة للتعبير، وبجهل كبير لأعماله. أيها أكثر ظلما من المواقف التي اتخذها بعض النقاد المعاصرين تجاهه في ألمانيا الفدرالية، والذين لم يروا في منفاه إلا إكراها ماديا بسيطا؟ الأسباب التي دفعت بنيامين للهجرة متعددة الأصناف. بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية، فقد كانت استحالة مواصلة عمله، وانعدام الأمان الذي كان يترصده، عاملين قويين. لم يكن بنيامين معروفا إلا بشكل ضعيف، من قبل الجمهور العريض ـ ومن قبل النازيين أنفسهم ـ، ولم يكن عضوا في أي حزب سياسي وغياب اتخاذ المواقف السياسية الرسمية لم يكن يسمح بالتأكيد على أنه كان سيستطيع البقاء في ألمانيا من دون مخاطر. نشاطه الإشهاري لم يكن يدع مجالا للشك حول توجهه الأيديولوجي، كما أن تعاطفه مع أفكار الشيوعيين وأيضا علاقاته مع بريشت، كانت معروفة من طرف العديد من الصحافيين. خيار المنفى كان ضروريا» (276 ـ 277 ـ 278).
«في وضعية بلا مَخْرَج، ليس لدي من خيار آخر سوى أن أنهي حياتي. في قرية صغيرة في منطقة البيرينيه حيث لا يعرفني أحدٌ ستنتهي حياتي فيها»(372).

الجزء الثاني من الكتاب وفيه يتطرق الباحث لقضايا «للغة الشعراء والأنبياء»، وفيها نقرأ: «الثيولوجيا كأساس لأصل اللغة»، وفي «اللغة كوسيط روحي للحقيقة»، نقرأ : «التأكيد الذي يقوله بنيامين والذي مفاده أن «كل حقيقة لها بيتها، وقصرها القديم في اللغة» يبدو عليها من خلال المظهر أنها بالغة الإشكالية بحيث أن تصوره عن اللغة لا يتنازل أبدا عن الأسس الأيديولوجية التي تُفلت من كل معيار حقيقة. إذا كانت اللغة هي وسيطه الروحي، فإنه توجد، بالنسبة له نظرية للسحر مُلازمة للغة كمحايثة» (385 ـ 386).

في الفصل الثالث من الجزء الثاني والذي اتخذ عنوان: «إعادة اختراع النقد الأدبي كجنس أدبي»، نقرأ: «مثلما هو حال جورج لوكاش في دراساته الأولى ـ الروح والأشكال، بشكل خاص ـ ، فبنيامين أراد أن يؤسس من جديد النقد الأدبي مثل جنس (نوع) أدبي. وبعيدا عن أنْ يرى فيه مجرّد كلمة مشتقّة من الفلسفة، فهو يُسائله مثل بلورة لإشكاليته. وهو من خلال تحليله لأعمال أدبية لم يتوقف عن مواجهة الميتافيزيقا، فقام في البداية بإجراء مزج غريب ما بين الحُدوسات ذات الإيحاءات الكانطيّة(كانط) وفلسفة لغة متوارثة عن اليهودية والرومانطيقية. وقد ظل الفنّ، دائما، بالنسبة له إحدى أشكال اللغة الراقية، كما لو يعيش بين ثناياها «بْراكْسيسها» شيءٌ مَا من القدرة الآدمية في التسمية، بالمعنى الذي يؤكده هولدرلين حين يقول: «إن ما يظل ويبقى، يُؤسسه الشعراءُ». ويتوجب انتظار الأعمال والدراسات المتأخرة كي يَحُلَّ تصوّرٌ سياسي لدور العمل الأدبي محلّ فلسفة اللغة الأصلية (480).

الكتاب ضروري للمكتبة العربية، في جانبها التنظيري والنقدي، و«مارك جيمينيز»، يقول بحق، في تقديمه: «إن التعلق الشديد بوالتر بنيامين لم ينته على الأرجح، كما لم ينته أيضا الإعجابُ بهذا المفكر ذي القدر المأساوي، كما أن سوء الفهم الذي تسببتْ فيه فلسفته وبشكل خاص، سوء الفهم الذي يتجلى، كما يرى «أدورنو»، «في استهلاك فلسفته وتلطيفها باعتبارها متواليةً من لُمَح مجانية أو أنها تخضع لصدفة الساعة والإيحاء» (VIII-IX).
الكتاب إذنِ قراءة جديدة لهذا المفكر الكبير الذي لم يتوقف عن أن يكون معاصرا، والأمل كبيرٌ في أن نرى يوما ما من يكتب لنا عن «والتر بنيامين العربي»!

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...