الكاتبُ في إجازة
كان أندري جيد GIDE يقرأ (جاك- بينيغن) بوسويه BOSSUET (رجل دين وكاتب فرنسي 1627 - 1704) حين يزور الكونغو. هذه الصورة تلخّص بشكل جيد مَثَل كُتّابنا الأعلى «في إجازة»، وقد صوّرَتْهُم صحيفة لوفيغارو FIGARO الفرنسية، وهم يضيفون الفراغ المبتذل إلى حظوة موهبة لا يمكن لأحد أن يوقفها ولا أن يُبدّدها. ها نحن أمام روبورتاج جيد، فعّّال على المُستوى السوسيولوجي، ويبلغنا من دون غش عن الفكرة التي تمتلكها بورجوازيتنا عن كُتّابها.
إن ما يبدو، في البدء، أنه يُفاجئ ويبهج هذه البورجوازية فهي رحابتها (رحابة صدرها) في الاعتراف بأن الكُتّاب هم أيضاً أناسٌ يحتاجون، عموماً، إلى إجازة. إن «الإجازة» هي ممارسة اجتماعية حديثةٌ، وسيكون من المهم تتبع تطورها الميثولوجي. لقد كانت في البداية فعلاً مدرسيّاً، وتحولت، منذ العطلة المدفوعة الثمن، إلى فعل بروليتاري، على الأقل إلى فعل شاقّ. التأكيد على أن هذه الممارسة يمكن أن تشمُل، من الآن فصاعداً، الكُتّاب، وأن أخصّائيي الروح البشرية يخضعون، هم أيضاً، للحالة العامّة للعمل المعاصر، هي طريقة لإقناع قُرّائنا البورجوازيين بأنهم يسايرون جيداً زمنَهُم، حيث يتمّ الادعاء بالتعرف على ضرورة بعض الابتذالات، كما يتم إظهار اللين أمام الحقائق «الحديثة» بواسطة دروس سيغفريدSIEGFRIED وفوراستيي (جون) FOURASTIE.
إن إصباغ الطابع البروليتاري، بالطبع، على الكاتب لا يتِمّ إلا بتقتير، وكي يتم تدميره، بشكل أفضل، فيما بعدُ. ما أن يتزود بخاصية اجتماعية (الإجازة تمثل حِصناً رائعاً)، حتى يعودَ متعاطي الأدب بسرعة إلى القبة الزرقاء، التي يتقاسمها مع محترفي الميل والجنوح. و«السجيّة» الذي نُؤبِّد فيه روائيينا نشأتْ، في حقيقة الأمر، من أجل التعبير عن تناقض سامٍ، وهو تناقض شرط مبتذل، أنتجه، للأسف، عصرٌ ماديٌّ، والوضعية الرائعة التي يُغدقها المجتمع البورجوازي، بسخاء، على رجالاته (شرط ألاّ يكونوا عدوانيين.)
إن ما يُبرهن على التفرُّد المدهش للكاتب، هو أنه خلال هذه الإجازات الفاخرة، التي يتقاسمها، بأخُوَّة، مع العُمّال والأشياء ذات القيمة الزهيدة، فإنه لا يتوقف عن العمل، أو على الأقل عن الإنتاج. إنه عامل مُزيَّفٌ، وعاطلٌ مُزيَّفٌ في ذات الآن. فهذا الكاتب يكتبُ مذكراته، وذاك يُصحِّح مُسودَّاتِه، والآخر يُعِدُّ كتابَه القادم. بينما الكاتب الذي لا يفعل شيئا، يعترف بالأمر وكأنه سُلوكٌ في غاية التناقض، كأنه إنجازٌ طليعيّ، لا يستطيع إظهارَهُ إلاّ من كان متزندقا. نعرف عن هذا التبجح الأخير أنه «طبيعي» جداً، وأن الكاتب يكتب بشكل دائم، وفي كل المواقف. هذا الأمرُ يُشبِّه، في البداية، الإنتاج الأدبي بنوع من الإفراز غير الإرادي، وإذن التابو، لأنه يستعصي عن الحتميات الإنسانية. وكي نتحدث، بعزة نفس أكبر، فإن الكاتبَ فريسةُ إلهٍ داخلي يتحدث في كل وقت، ومن دون أن يكترث، هذا المستبد، بإجازة وسيطِهِ. الكُتّاب يكونون في إجازة، ولكن ربّة شعرهم تسهر وتلد دونما انقطاع.
الميزة الثانية لهذه الثرثرة، هي أنه بسبب طابعها الضروري، يُنظر إليها، طبيعياً، باعتبارها جوهر الكاتب ذاته. يعترف هذا الأخير، من دون شك، بأنه مُنِح عائلة وسروالاً قصيراً وطفلة صغيرة إلخ، ولكن على النقيض من العُمّال الآخرين، الذين يغيرون ماهيتهم، والذين ينحصر وُجُودُهم على الشواطئ على أخذ العطلة، فإن الكاتب يحافظ في كل مكان على طبيعته ككاتب؛ ينعم الكاتب بإجازة، ولكنه يُظهِر علامة عن إنسانيته؛ ولكن الإله يبقى، يظل الكاتِبُ كاتباً كما كان لويس الرابع عشر مَلِكا، حتى على كرسيه المخروق. وهكذا فإنّ وظيفة مُتعاطي الأدب في علاقته بالأشغال البشرية تشبه علاقة الطعام الشهي بالخبز: إنها جوهرٌ مُعجِزٌ وخالدٌ يقبل بالنزول إلى الشكل الاجتماعي حتى يَتِمَّ التقاطُهُ في اختلافه الفاتن. كل هذا يؤدي إلى ذات الفكرة عن كاتب تفوق قدرته قدرة البشر، ونوع من الكائنات المُتفاوِتة التي يضعها المجتمع في واجهة زجاجية كي يُظهرَ التفرُّدَ المصطنع الذي سلَّمَتْ له به.
إن الصورة الوديعة عن «الكاتب في إجازة» ليست إذن سوى إحدى هذه المخاتلات المبرومة (مراراً)، التي يقوم بها خيرة المجتمع من أجل استعباد أفضل لِكُتَّابِها، إذ لا شيء يعرِض، بشكل أفضل، تفرُّدَ «موهبة» من أن تتم مُعارضتُها – من دون رفضها، بالتأكيد- بواسطة ابتذال تجسُّدِها: إنها خيطٌ قديم يربط بين كلّ الوقائع التاريخية. كما أننا نرى هذه الأسطورة «إجازات أدبية» تتمدد كثيراً. وفي ما وراء الصيف تَجْهَدُ تقنيات الصحافة المعاصرة، أكثر فأكثر، على منح الكاتب مشهداً مبتذلاً. لكن من الخطأ اعتبار الأمر وكأنه مجهودٌ في إزالة المخاتلة. هو النقيض تماماً. وقد يبدو لي الأمرُ، من دون شك، أنا القارئ البسيط، مُؤثِّراً بل وحتى مُجمِّلا، المشاركة، سرّا، في الحياة اليومية لِعِرْق تم اختيارُهُ وفق معيار العبقرية: سأحسّ، دون شك، بإنسانية أخوية، بلذَّة، حيث أعرف عن طريق الصحف أن مثل هذا الكاتب يلبس بيجامات زرقاء، وبأن هذا الروائي الشابّ له ميلٌ نحو «الفتيات الجميلات وأجبان روبلوشون وعسل الخُزامى». وعلى الرغم من رصيد العملية فإن الكاتِب يصبح نجماً، يُغادر هذه الأرض من أجل سَكن سماوي، حيث بيجاماته وأجبانِهِ لا تمنعه البتة عن استعادة كلامه النبيل الخالِق (لعمل أدبي كبير).
إن منح الكاتب، بصفة عمومية، جسداً جدّ حسّيّ، والكشف عن عشقه للنبيذ الأبيض (بمعدلات قليلة من السُّكّر الطبيعي) والبفتيك الأزرق، هو، في نظري، جعلُ منتجات فنِّه، لا تُضاهى وأيضاً أكثر قدسيّة من حيثُ الجوهر. والأعمق من هذا أن تفاصيل حياته اليومية، تجعل، في نظري، طبيعة إلهامه أكثرَ قُرباً وأكثر وُضوحاً، وهو، أي الكاتب، عن طريق هذه الاعترافات، يرفض كل هذا التفرد الأسطوري لِشَرطِه. لأنه لا يمكني سوى أن أعزو لطاقة فوق بشرية وُجودَ كائنات واسعة كي تلبس بيجامات زرقاء في ذات الوقت الذي تُعبّر فيه عن نفسها باعتبارها وعياً كونياً، أو كي تقوم، أيضاً، بالمجاهرة بِعشقِ نفس الكاتب، التي تُبشِّرُ (هذه الكائنات) بفينومينولوجيا الأنا القادمة، لأجْبان روبلوشون. إن التحالف المُثير ما بين كثير من النُبْل وكثير من الحقارة يدل على أننا لا نزال نؤمن بالتناقض: إنه خارقٌ، بشكل كامل، كما أن كُلَّ عناصره خارقةٌ هي الأخرى، ولكنه يفقد، بالتأكيد، كل أهميته، في عالَمٍ تبْطُلُ فيه صفةُ القداسة عن عمل الكاتِبِ إلى درجة يبدو فيها طبيعيّاً شأنَ وظائفِهِ المتعلقةِ بالملبسِ أو المتعلقة بالذوق.
م.م
إن ما يبدو، في البدء، أنه يُفاجئ ويبهج هذه البورجوازية فهي رحابتها (رحابة صدرها) في الاعتراف بأن الكُتّاب هم أيضاً أناسٌ يحتاجون، عموماً، إلى إجازة. إن «الإجازة» هي ممارسة اجتماعية حديثةٌ، وسيكون من المهم تتبع تطورها الميثولوجي. لقد كانت في البداية فعلاً مدرسيّاً، وتحولت، منذ العطلة المدفوعة الثمن، إلى فعل بروليتاري، على الأقل إلى فعل شاقّ. التأكيد على أن هذه الممارسة يمكن أن تشمُل، من الآن فصاعداً، الكُتّاب، وأن أخصّائيي الروح البشرية يخضعون، هم أيضاً، للحالة العامّة للعمل المعاصر، هي طريقة لإقناع قُرّائنا البورجوازيين بأنهم يسايرون جيداً زمنَهُم، حيث يتمّ الادعاء بالتعرف على ضرورة بعض الابتذالات، كما يتم إظهار اللين أمام الحقائق «الحديثة» بواسطة دروس سيغفريدSIEGFRIED وفوراستيي (جون) FOURASTIE.
إن إصباغ الطابع البروليتاري، بالطبع، على الكاتب لا يتِمّ إلا بتقتير، وكي يتم تدميره، بشكل أفضل، فيما بعدُ. ما أن يتزود بخاصية اجتماعية (الإجازة تمثل حِصناً رائعاً)، حتى يعودَ متعاطي الأدب بسرعة إلى القبة الزرقاء، التي يتقاسمها مع محترفي الميل والجنوح. و«السجيّة» الذي نُؤبِّد فيه روائيينا نشأتْ، في حقيقة الأمر، من أجل التعبير عن تناقض سامٍ، وهو تناقض شرط مبتذل، أنتجه، للأسف، عصرٌ ماديٌّ، والوضعية الرائعة التي يُغدقها المجتمع البورجوازي، بسخاء، على رجالاته (شرط ألاّ يكونوا عدوانيين.)
إن ما يُبرهن على التفرُّد المدهش للكاتب، هو أنه خلال هذه الإجازات الفاخرة، التي يتقاسمها، بأخُوَّة، مع العُمّال والأشياء ذات القيمة الزهيدة، فإنه لا يتوقف عن العمل، أو على الأقل عن الإنتاج. إنه عامل مُزيَّفٌ، وعاطلٌ مُزيَّفٌ في ذات الآن. فهذا الكاتب يكتبُ مذكراته، وذاك يُصحِّح مُسودَّاتِه، والآخر يُعِدُّ كتابَه القادم. بينما الكاتب الذي لا يفعل شيئا، يعترف بالأمر وكأنه سُلوكٌ في غاية التناقض، كأنه إنجازٌ طليعيّ، لا يستطيع إظهارَهُ إلاّ من كان متزندقا. نعرف عن هذا التبجح الأخير أنه «طبيعي» جداً، وأن الكاتب يكتب بشكل دائم، وفي كل المواقف. هذا الأمرُ يُشبِّه، في البداية، الإنتاج الأدبي بنوع من الإفراز غير الإرادي، وإذن التابو، لأنه يستعصي عن الحتميات الإنسانية. وكي نتحدث، بعزة نفس أكبر، فإن الكاتبَ فريسةُ إلهٍ داخلي يتحدث في كل وقت، ومن دون أن يكترث، هذا المستبد، بإجازة وسيطِهِ. الكُتّاب يكونون في إجازة، ولكن ربّة شعرهم تسهر وتلد دونما انقطاع.
الميزة الثانية لهذه الثرثرة، هي أنه بسبب طابعها الضروري، يُنظر إليها، طبيعياً، باعتبارها جوهر الكاتب ذاته. يعترف هذا الأخير، من دون شك، بأنه مُنِح عائلة وسروالاً قصيراً وطفلة صغيرة إلخ، ولكن على النقيض من العُمّال الآخرين، الذين يغيرون ماهيتهم، والذين ينحصر وُجُودُهم على الشواطئ على أخذ العطلة، فإن الكاتب يحافظ في كل مكان على طبيعته ككاتب؛ ينعم الكاتب بإجازة، ولكنه يُظهِر علامة عن إنسانيته؛ ولكن الإله يبقى، يظل الكاتِبُ كاتباً كما كان لويس الرابع عشر مَلِكا، حتى على كرسيه المخروق. وهكذا فإنّ وظيفة مُتعاطي الأدب في علاقته بالأشغال البشرية تشبه علاقة الطعام الشهي بالخبز: إنها جوهرٌ مُعجِزٌ وخالدٌ يقبل بالنزول إلى الشكل الاجتماعي حتى يَتِمَّ التقاطُهُ في اختلافه الفاتن. كل هذا يؤدي إلى ذات الفكرة عن كاتب تفوق قدرته قدرة البشر، ونوع من الكائنات المُتفاوِتة التي يضعها المجتمع في واجهة زجاجية كي يُظهرَ التفرُّدَ المصطنع الذي سلَّمَتْ له به.
إن الصورة الوديعة عن «الكاتب في إجازة» ليست إذن سوى إحدى هذه المخاتلات المبرومة (مراراً)، التي يقوم بها خيرة المجتمع من أجل استعباد أفضل لِكُتَّابِها، إذ لا شيء يعرِض، بشكل أفضل، تفرُّدَ «موهبة» من أن تتم مُعارضتُها – من دون رفضها، بالتأكيد- بواسطة ابتذال تجسُّدِها: إنها خيطٌ قديم يربط بين كلّ الوقائع التاريخية. كما أننا نرى هذه الأسطورة «إجازات أدبية» تتمدد كثيراً. وفي ما وراء الصيف تَجْهَدُ تقنيات الصحافة المعاصرة، أكثر فأكثر، على منح الكاتب مشهداً مبتذلاً. لكن من الخطأ اعتبار الأمر وكأنه مجهودٌ في إزالة المخاتلة. هو النقيض تماماً. وقد يبدو لي الأمرُ، من دون شك، أنا القارئ البسيط، مُؤثِّراً بل وحتى مُجمِّلا، المشاركة، سرّا، في الحياة اليومية لِعِرْق تم اختيارُهُ وفق معيار العبقرية: سأحسّ، دون شك، بإنسانية أخوية، بلذَّة، حيث أعرف عن طريق الصحف أن مثل هذا الكاتب يلبس بيجامات زرقاء، وبأن هذا الروائي الشابّ له ميلٌ نحو «الفتيات الجميلات وأجبان روبلوشون وعسل الخُزامى». وعلى الرغم من رصيد العملية فإن الكاتِب يصبح نجماً، يُغادر هذه الأرض من أجل سَكن سماوي، حيث بيجاماته وأجبانِهِ لا تمنعه البتة عن استعادة كلامه النبيل الخالِق (لعمل أدبي كبير).
إن منح الكاتب، بصفة عمومية، جسداً جدّ حسّيّ، والكشف عن عشقه للنبيذ الأبيض (بمعدلات قليلة من السُّكّر الطبيعي) والبفتيك الأزرق، هو، في نظري، جعلُ منتجات فنِّه، لا تُضاهى وأيضاً أكثر قدسيّة من حيثُ الجوهر. والأعمق من هذا أن تفاصيل حياته اليومية، تجعل، في نظري، طبيعة إلهامه أكثرَ قُرباً وأكثر وُضوحاً، وهو، أي الكاتب، عن طريق هذه الاعترافات، يرفض كل هذا التفرد الأسطوري لِشَرطِه. لأنه لا يمكني سوى أن أعزو لطاقة فوق بشرية وُجودَ كائنات واسعة كي تلبس بيجامات زرقاء في ذات الوقت الذي تُعبّر فيه عن نفسها باعتبارها وعياً كونياً، أو كي تقوم، أيضاً، بالمجاهرة بِعشقِ نفس الكاتب، التي تُبشِّرُ (هذه الكائنات) بفينومينولوجيا الأنا القادمة، لأجْبان روبلوشون. إن التحالف المُثير ما بين كثير من النُبْل وكثير من الحقارة يدل على أننا لا نزال نؤمن بالتناقض: إنه خارقٌ، بشكل كامل، كما أن كُلَّ عناصره خارقةٌ هي الأخرى، ولكنه يفقد، بالتأكيد، كل أهميته، في عالَمٍ تبْطُلُ فيه صفةُ القداسة عن عمل الكاتِبِ إلى درجة يبدو فيها طبيعيّاً شأنَ وظائفِهِ المتعلقةِ بالملبسِ أو المتعلقة بالذوق.
م.م
عن مجلة الدوحة القطرية عدد سبتمبر 2012
تعليقات
إرسال تعليق