التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسيقى معادل جمالي للوجود في رواية «فيلا أماليا»
 
 
كتب محمدالربيع



رواية «فيلا اماليا» للكاتب الفرنسي باسكال كينيارد التي صدرت ترجمتها حديثا عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ضمن سلسلة ابداعات عالمية، ترجمة: محمد المزيودي توظف الموسيقى والسرد لمعالجةعلاقة الانسان بمحيطه الاجتماعي والانساني، وتكشف عن الانقلابات النفسية، التي تحدث في لاوعيه لحظة حضور او غياب الموسيقى. حيث تتحول الطبيعة الى معزوفة هائلة، تشير بشكل مباشر الى الالفة، بكل ما تعنيه من تفاصيل ودلالات ومعان. تختزل، صورة البيت والاهل والاصدقاء، فتخرج من موقعها في التجريد المحض،من مجرد نغم معلق في سيمفونية الطبيعة، الى ملموسية محضة، يستحضر فيها السامع صورة بيته واهله ورموز الالفة عنده.

وكينيارد اغنى تجربة بطلة روايته آن هيدن التي تتعرض للغدر والخيانة من قبل زوجها، بتحويل الموسيقى والشعر والفنون الى معادل جمالي لوجودها، بل أداة تعويض هائلة عن خسارتها الاجتماعية في زوجها وبيتها.

يقدم الكاتب في الروايات لوحات ومشاهد تعكس الانهيار التام في حياة آن هيدن الموسيقية وعازفة البيانو، التي تكتشف خيانة زوجها، فتصبح كائنا حانقا على الوجود بأكمله، وتبدأ بالتنفيس عن حنقها وغضبها باحراق ارشيفها من الالفة التي تبدأ بصورة والدها ومقتنياتها الشخصية، وكل ما له علاقة بالبيت والاسرة والالفة، في احد المشاهد:

كانت تمسك بين يديها صور والدها من جديد، كان رجلا قصيرا بانف حاد، شعره مدهون كما كانوا يفعلون من قبل، مسرح الى الخلف، لكنه ثائر، اشعث شيئا ما، نزلت ثانية الى المطبخ، كانت تقول في نفسها: يجب التخلص من كل شيء، مهما بلغ الضيق الذي احس به يجب التخلص من كل شيء، اعرف انه يجب ان افارق كل شيء، اوقدت نارا واحرقت صور والدها الواحدة بعد الاخرى، رمت الصور فجأة عندما لحقت النار اللحم، تركت الرماد يسقط في احدى المغاسل المعدنية، احرقت تقريبا كل محتويات المكتب الاسطواني، جمعت الرماد في يدها بواسطة قطعة اسفنجية، رمته في القمامة، كانت تقول في نفسها:هذا هو، هذا هو، يجب رمي كل شيء وحرق كل ما لا يمكن رميه.

موسيقى الحنق

وفي مشهد آخر تصرخ آن هيدن: أنا مكهربة مثل كرة عاصفة. وفي اليوم الثاني أضرمت نارا كبيرة في الحديقة، صعدت الى فوق وأخذت كل ما كان شخصيا جدا، فككت الاطارات ورمت كل شيء لم ترغب في رؤيته يباع في اسواق الاثاث المستعمل او في بورت سان وان. احست بمتعة وهي ترى كل الاوراق الشخصية تختفي، الفواتير، دفاتر الشيكات، القسائم، اشعارا الضرائب، استغرق كل هذا وقتا طويلا، استمر يوما.

مر الرجل العجوز الذي كان يرافق سيدة الانقاذ المسيحي عشرين مرة امام النار، كان يحمل اكياس الثياب التي حضرتها والحقائب التي اغلقتها. وضعتها في شاحنته. قالت لنفسها فجأة: لم اعد امتلك بيتا. البيت «المكان الذي تغفر فيه اخطاؤنا، حيث يقبل ضعفنا».احيت فجأة بعد الزوال الفارغ برغبة في زيارة متحف اللوفر من اجل متعة التيه وسط الكثير من الجمال. ذهبت الى شارع راشيل، اشترت زهرة ياقوتية، ودخلت مقبرة مونتمارت، سلكت طريق بيود، تبعت ممر الصليب من جهة الشمال، توقفت امام قبر شقيقها، وضعت الزهرة على الحجر. وفق التقليد العائلي «والدتها كانت تتصرف بهذا الشكل، جدها لأمها ايضا، اضطر والدها الى الاستسلام لتلك القاعدة الخاصة، كانت قد رأت جدتها تتصرف بالطريقة نفسهافي شقة رين». كان الوداع يتم على البيانو، لكل عائلة طقوسها غير الواضحة المعالم، توضع الحقائب الواحدة جنب الاخرى في المدخل، يوضع عليها المعطف، على المعطف القبعة، يجلس الفرد الى البيانو ويعزف قطعة بدل كلمة الوداع، لايقبل، يفر من دون كلمة، في حين يكون المكان لايزال يصدح بالموسيقى، اصبح عليها ان تعزف لحن الوداع في كل مكان.

وفي قلب هذه المحنة الوجودية تعيد آن هيدن اكتشاف نفسها ومحيطها، وتفتح كنوز روحها الجمالية لتشكل بها تعويضا كاملا عن خسارتها، وفي مهب هذا الاكتشاف تعيد تأمل كنوزها من الشعر والموسيقى والاصوات والملامح:

كانت آن هيدن تقول: يوجد وميض مشتت في مياه البحر يبدو كأنه كانه يصعد من الاعماق، لايبرز ابدا، لكنه ينتشر تحت الاجسام، تحت الطحالب، وتحت ظلال صخور ايشيا، ربما كان ذا اصل بركاني، نور لا يبدو انه ينبعث من الشمس يلمس الاجسام التي تسبح هنا، عندما يحين وقت السباحة، كانت تذهب الى غرفتها وتغير ملابسها، ترتدي مئزر الفندق القطني ذا اللون الكريمي. كانت تمر على الصخور مباشرة تحت شرفتها، لم يكن هناك مسلك، كان صندلها الصغير ينزلق على ابر الصنوبر، عندما تصل الى الشاطئ تضع مئزر الفندق على قضيب حديدي وجدته هناك، وتغطس في البحر.

أيتها الوحدة

ظلت تتغنى خلال اسابيع طويلة بـ«او هاو آي»، كاترين فيليب واحدة من اكبر الشاعرات الانجليزيات خلال القرن السابع عشر، كانت قد كتبت مرثية عنونتها «ايتها الوحدة» الف عليها بورسيل نشيدا يتيه بلا نهاية.

كانت الابيات تناسب حياتها. نحف وجهها، نحف جسمها ايضا، لم يبق سوى العظام والحزن واناقة غريبة جديدة تماما. نما شعرها واستطاعت ان تعقصه من جديد، اصبح جلدها مشدوها واكثر اسمرارا، ماء البحر وعلاج الاونغدين جعلا جلدها املس. كانت الفساتين تبدو جميلة عليها، فضفاضة شيئا ما، لكنها رائعة. لكثرة ما مارست السباحة اصبحت رشيقة القوام، كانت تسبح بمفرها، تمارس المشي بمفردها، تأكل بمفردها تقرأ في ركنها:

اووه ايتها الوحدة

اجمل واحلى اختياراتي

منذورة لليل.

لم يكن غناء بورسيل يستغني عن هذا المقطع الذي يشتغل مثل المشي، كانت دائما تمشي بطريقة حازمة، مستقيمة القامة، تقدم الساق والركبة باندفاع.

اووه كم انا

معشوقة الوحدة

كانت كاترين فيليب قد كتبت في قصيدتها:

صوت متوحد يرتفع من دون عنوان في اعماق الروح.

لا حس مثل شعاع شمس

انتشاء في احشاء الطبيعة

مولد الزمن.

وفي ذات اللحظة وفي قلب موجة الاكتشاف واعادة الاكتشاف لذاتها وعالمها، تقدم آن هيدن قراءتها الجمالية للموسيقى، وموقعها في التجربة الوجودية للانسان من خلال مراجعة للحظات خاصة في طفولتها حين كانت تتسلل لتصغي الى الموسيقى التي كان يعزفها زوار بيتهم في طفولتها لتقول: هكذا انفتح العالم الخارجي فيَّ، عبر هذه الفجوة المظلمة اعتاد جسدي على المرور ومغادرة الارض ومغادرة الفضاء الخارجي. ولتؤدي مونولوجها الخاص: في بعض الاحيان عند لحظة من المقطوعة كان جميلا جدا، يمتزج الالم بالجمال الشديد، كنت اتوقف عن الحركة، كنت اتوقف عن الحياة. يبدأ الاطفال في الاحساس بالرعب امام الجمال، بالانبهار به، بالموت فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...