التخطي إلى المحتوى الرئيسي

LE Petiit Prince الأمير الصغير


«الأمير الصغير» للفرنسي ألان فيركوندولي حينما يتماهى الكاتب مع بطله
2008-05-15 
باريس - محمد المزديوي  






  
روايات عالمية


الأمير الصغير

 

الأمير الصغير

 








لم يكن الكاتب الفرنسي ألان فيركوندولي يعلم وهو يصدر كتابه الجديد عن «الأمير الصغير» (القصة الحقيقية للأمير الصغير)، عن دار فلاماريون، أنه مباشرة بعد ظهور الكتاب سينشكف سرّاً طالما ظل يراود الكثيرين، وهو معرفة أين قُتل المؤلف سانت دي إكزوبيري ومن قتله وفي أية ظروف.. إذْ صدر هذا الأسبوع كتاب ثانٍ يتحدث عن الأمر. ويتعلق الأمر بـ «سانت دو إكسوبيري، السر الأخير» (عن دار النشر: روشي)، وفيه يعترف الطيار الألماني هورست ريبيرت، الذي لايزال على قيد الحياة، بأنه هو الذي أطلق النار، يوم 31 يوليو 1944، على طائرة الكاتب والطيار الفرنسي. يقول: «لم أكن أستهدف رجلا كنت أعرفه، بل أطلقت النار على طائرة معادية». ويضيف «لو كنتُ أعرفه، ما كنت لأطلق النار، خصوصا عليه».
وها هي أسطورة أخرى تختفي.. ولكن أسطورة كتاب الأمير الصغير مستمرة، خصوصا أن هذا الكتاب هو كِتاب القرن في فرنسا.
الكاتب ألان فيركوندولي، جامعي ومؤلف للعديد من الكتب البيوغرافية، خصوصا عن ماغريت ديراس ورامبو وساغان وبالتوس، كما أنه ألّف العديد من المؤلفات المكرسة لإكزوبيري وزوجته كونزويلو، وهو ما جعل منه أحد أهم بيوغرافيي هذا الثنائي.
الكتاب يتطرق للكثير من المواضيع التي أسهمت من قريب أو من بعيد بفكرة «الأمير الصغير»، وهكذا نقرأ فصولا من بينها ما يتطرق لـ «وصول كونزويلو إلى نيويورك» و «كتابة وعيش وميض الطفولة» و «دور المحيط» و «مصدر الطفولة» و «المصدر السريّ للأمير الصغير» و «محاولات الطيران الأولى» و «في «أتّون» الجزائر العاصمة» و «اليأس والإحباط» و «المهمات الأخيرة» و «العيش من دون سانت إكسوبيري».
يريد المؤلف أن يشعرنا أن قصة «الأمير الصغير» شغلت حياة المؤلّف وحرَّكت مختلف جوانب حياته.. يقصد أنها شغلته كثيرا.. كانت هاجسا، باختصار لأنه كان «يكتب قصة حياته».
«حين كان يكتب «الأمير الصغير»، لم يكن يضع فصولا. كان ينتابه شعور بأنه محمولٌ في موضوع شاسع جدا، وبشعرية غامرة، إلا أنه مع ذلك يعرف أن النتيجة ستكون عملا كبيرا، وستكرسه بشكل كامل. هو محتاج إلى اعتراف مطلق، إذ إن كل ما عاشه إلى حدود الساعة في الولايات المتحدة وحتى لحظات المجد، لا تمثل في نظره شيئا إذا ما قُورِنت بهذه الصورة الشاملة التي ستكون مقروءة باعتبارها مجموع حياة، كتابا مقدسا آخر، رواية كلية، للتعليم والتكوين على منوال الأعمال الكبرى لنيتشه الذي يكن له إعجابا كبيرا، كما يكنه لغوته وفلوبير وزفيغ» (98).
لكن الكتاب الرائع لا يصل بعد، وفي حالة عصبية يقول لزوجته في لحظة غضب: «الأمير الصغير وُلد من نارك الكبيرة» (99) ما الذي يعنيه بهذا التصريح؟
«هو من دون شك، يلمّح إلى الإشعاع الشمسي الذي تعرف كيف تمنحه إياه لتغذية طاقته. كان سانت إكزوبيري في هذه الفترة الحرجة من أواسط سنة 1942، تتمزقه العزلة والقلق. وهو الذي لا يملك سوى رغبة واحدة: أن يكون محبوبا، يتعرض للكراهية والتخلي في فرنسا، بل ويوشك أن يُتَّهَم بالخيانة، زيادة على أنّ الكثير من أقرانه من الكتاب والفلاسفة والمثقفين تنصلوا منه» (99-100).
إكزوبيري شخص بالغ الحساسية، ومن هنا فإن السجال الذي جمعه مع الشاعر السوريالي أندري بروتون، أثر كثيرا عليه. في نهاية شهر يناير من سنة 1941 كتب بروتون مقالا في صحيفة نيويورك تايمز عن تعيين إكزوبيري في منصب مستشار وطني لنظام فيشي، وهو ما دفع هذا الأخير إلى الانهيار، «تاركة فيه آثار لا تمّحي» (113).
قضى إكزوبيري أياما عدَّة في إعداد الرد على بروتون: «ريشته يمكن لها أن تكون هجائية وعنيفة، ولكنها صادرة، بشكل خاص، من رجل جريح يجد ملجأ في الكلمات كيلا يسقط في اليأس. كتب إكزوبيري (مخاطبا بروتون): «من الواضح جدا أن تصرّفك يمكن أن يكون مرغوبا فيه من قِبَل غوبلز (النازي) نفسه. من الأكيد لو أنّ مثل هذه الحركة كانت في قدراته، كان سيموّل في الولايات المتحدة النقل الكامل للنصوص السياسية والاجتماعية لمجلاتكم السوريالية» (114). ويخاطب إكزوبيري بروتون (الذي يعتبره الرجل الأقل تسامحا في حياته) في لحظة غضب عارم: «أنت رجل معسكرات الاعتقال الروحية» (114).
يعلّق المؤلف على الأمر بقوله إن «العراك مال لغير صالح سانت إكزوبيري. بروتون يهمس بأن سانت دي إكزوبيري قريبٌ من الكاتب دريو Drieu لاروشيل، وأنّ برازيلاش Brasillach معجب به ويحييه باعتباره نيتشويا جديدا» (115).
لكن هذه الأشياء ستدفع إكزوبيري إلى المثابرة من أجل إخراج الأمير الصغير إلى العلن: «إن الشّجار يبرر الأمير الصغير. إن كتابة هذه الحكاية هي الارتفاع، الذهاب لاستنشاق الهواء الطاهر، وأخيرا إدانة مختلف أشكال نفاق العالم. كان يكتب أحيانا ثلاث صيغ للفصل الواحد. لم يكن يحس أبداً بالرّضا، لا بخصوص الرسم ولا بخصوص النص».
أسباب كثيرةٌ أسهمت في إخراج الكتاب إلى العلن. ومن بينها ما يكتبه المؤلف من تأثير قصة للأطفال «بلد 36000 إرادة» كتبها أحد أصدقائه وهو أندري موروا Maurois وصدرت سنة 1929 عن دار هاشيت. وكان الإهداء: «من أجل الأمير الصغير، أب الجنية المعاصرة، أندري موروا»، قرأ إكزوبيري بسرعة هذه الحكاية ووجد فيها مادة لتغذية وتلقيح عمله. الرسوم تبين ولدا صغيرا، ملاكا، كما أن نصّ صديق موروا يستحضر صحارى وبراكين وفرعونا وجنيات.. كل الحكاية تستحضر مناخا ولطافة طفولية أغوت سانت دي إكزوبيري لدرجة أن الأمير الصغير يكشف عن تشابهات مثيرة معه» (116).
يقول لنا الكاتب إن زوجة إكزوبيري اعترفت، لاحقا، أي بعد سنوات عدَّة من وفاة زوجها، وهي تُطلع سكرتيرتها على كتاب موروا، بأنه واحد من المصادر التي أوحت بتأليف «الأمير الصغير».
المهم في هذا الكتاب هو أن شخصية واسم الأمير الصغير يخرجان من كل صفحة من الكتاب، ليقولا لنا كم كان الكتاب هو الهمّ المركزي للمؤلف وكم تتخلله حِكَمٌ ودروس لا يمكن سوى أن تؤكد «الكتاب الكوني»، رغم أن اهتمام المؤلف بالكاتب ابتدأ في مرحلة كانت الأوساط الثقافية الفرنسية تعتبر فيه أنه «من الجيد التنصل من سانت دي إكزوبيري ومن فلسفته الرديئة، ومن «غباوته المبالغة في الحشو، ومن بلاهته التي تنبع من تحت سلوقيّة الطيّار والتي تتخذ مسار الحكمة»، على حد تعبيرات جون فرانسوا روفيلJean-François Revel القاسية» (9-10).
الحكمة الأخيرة في الكتاب يلخصها الأمير الصغير بنفسه حين يحكي عن قلق الكاتب إكزوبيري الأخير من ترك الخروف حرّا من دون كمامة: «الكون كله سيكون مهددا: الخروف من دون كمامة، يمكنه أن يقطم الزهرة، يقطم كل الزهور» (213).
يبقى أن نشير إلى أن كتاب الأمير الصغير عرف ترجمات في معظم لغات العالم.. وحتى العربية، من خلال ترجمات عدَّة من بينها واحدة لصاحب هذا المقال، وصادرة عن دار الجمل.

عن جريدة العرب القطرية 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...