كم نحتاج هذا الرجل، هذه الأيام!
من يبرئ جان جينيه من «جُنحة» عشقه لفلسطين والفلسطينيين؟
في هذا الشهر الملتهب، حيث يعيدنا الهجوم الإسرائيلي على لبنان، إلى ماضينا القريب، وإلى جان جينيه، وفي ظل صمت ثقافي عربي كبير، طلع كتاب جديد للباحث الفرنسي الصهيوني ‘’إيريك مارتي’’. وكانت فرنسا، في السنوات الثلاث الأخيرة، قد شهدت ولادة ثلاثة كتب جديدة، تمزق صمتا يحوم حول جان جينيه. وهي كتبٌ عدائية، تصفي حساباتها، مع مبدع كبير نذر حياته ولسانه وريشته للقضايا التي كان يراها عادلة، ومن بينها الفهود السود المدافعون عن الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وكذا الشعب الفلسطيني الذي كان أيامها عبارة عن لاجئين في الفكر الغربي والصهيوني.
إيريك مارتي، المدرس في جامعة جوسيو، كما كتب من باريـس محمد المزديوي في صحيفة الشرق الاوسط، لا يجعل من جان جينيه ضحيته الوحيدة، لقد صب جام غضبه، أيضا، على محمود درويش حين رثى القائد الراحل ياسر عرفات بعد موته. انتظر مارتي، مرور 20 سنة على رحيل الكاتب الكبير جان جينيه، كي يصدر كتابه عنه، الذي يبدأه من مطلعه باتهامه بمعاداة السامية.
وفي الحقيقة ان المؤلفين ايريك مارتي وإيفان جابلانكا، قاما معا، كل واحد بطريقته، بالبحث والتنقيب في كتاب جينيه ‘’أسير عاشق’’، وفي غيره من مؤلفاته، علهما يجدان مظاهر معاداة السامية، كلمات مبتسرة من هنا وهناك. النتيجة هي أنهما من شدة هوسهما بتحميله المسؤولية منحا القارئ الشعور وكأنهما كانا في عجلة من أمرهما، ولم يكن بمقدورهما أن يناقشاه كما ينبغي.
جان جينيه مذنب، في رأيهما، وكفى الأمر. ابتداءً من تقديم جان بول سارتر الشهير لعمل جينيه، حين وردت جملة ‘’جان جينيه معادٍ للسامية’’، ولكن هذين المتحاملين على الكاتب لم يوردا استدراك سارتر: ‘’أو هو بالأحرى، يتظاهر بأن يكونه’’.
في كتاب جينيه ‘’أسير عاشق’’، الذي قام الباحثان برصد كل المجازات التي يستخدمها الكاتب، وتابعا فيه كل ذِكر لهتلر وألمانيا، يكشف جينيه عن ارتباط عاطفي قوي بالشعب الفلسطيني، ولا يخفي فيه نفوره من دولة إسرائيل. لا ننسى أن الكتاب جاء بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، كما لا ننسى انحيازه الكامل للمقاومة الفلسطينية. ولكن جينيه لم يتدخل، في الموضوع، بطريقة سياسية. إنه، أي جينيه، كما يرى الكاتب الفرنسي الرصين ‘’روني دي سيكّاتي’’René de Ceccatty، في ملّف يعيد الاعتبار لجينيه في ملحق ‘’الآداب الفرنسية’’ les lettres françaises السلسلة الجديدة عدد 28 بتاريخ يوليو 2006: ‘’اكتفى بالكتابة بصفة فردية. ولم يلعب أي دور رسمي في الحرب. نفس الشيء كان عليه موقفُهُ أيضا من منظمة الفهود السود الأميركية. دخل التراب الأميركي بصفة غير قانونية، واكتفى بالتعبير عن موقفه، باسمه، باعتباره حاملا للجنسية الفرنسية، متعاطفا مع نضال السود على الأراضي الأميركية’’.
هل لليهود الحق في انتقاد إسرائيل من دون اتهامهم بمعاداة السامية: إنّ ما يكشف هشاشة موقف الباحثين ‘’مارتي’’ و’’جابلونكا’’، هو أن جينيه لم يكن (وهو ليس) الوحيد الذي ينتقد دولة إسرائيل، كما أن ‘’انتقاد السياسة، وبل حتى إنشاء دولة إسرائيل، لم يكونا، أبدا، كافيين لتحديد موقف معادٍ للسامية’’. لعلّ الباحثَيْن، كما يرى ‘’سيكاتي’’، بحق، ‘’لم يلتقيا أبدا في حياتهما أفراداً معادين للسامية، ولم يطَّلعا على نصوص معادية للسامية، بل ولم يقرآ أبدا ‘’بريمو ليفي’’. هل ‘’بريمو ليفي’’ معادٍ للسامية، حين يكتب في صحيفة إيطالية ‘’لاروبوبليكا’’ (24 سبتمبر 1982): ‘’لقد قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بيغين، وبتواطؤ من العالم كله، بتصفية الذراع العسكري للفلسطينيين’’. يعلق ‘’سيكاتي’’ على الأمر بالقول: ‘’لم يكن بريمو ليفي معاديا للسامية، بقدر ما هو ليس معاديا للعرب حين يقول بأنه لا يحب عرفات، وبأنه لا يعتقد بأن عرفات يتقدم وهو حامل لغصن زيتون في يده. لقد كان، مثل جان جينيه، يعبر فقط عن رأي سياسي’’ ويضيف، وهو ما لا يفهمه الباحثان (أو علهما يتصنعان تجاهله)، ‘’إنّ يهودية بريمو ليفي لم تُعْمِهِ. لا في اتجاه، ولا في اتجاه آخَر. إن اليهودي يمتلك الحق في أن يكون معادياً للسامية’’.
ليس صحيحا أن المثقفين اليهود المقرَّبين من دوائر الحكم في إسرائيل، يمكنهم القبول بهذه الفكرة ‘’امتلاك اليهودي الحق في انتقاد إسرائيل’’. لقد عانى الفيلسوف الفرنسي، من أصل يهودي، ‘’إدغار موران’’ بنفسه، أخيرا، من هذه المشكلة. مجرد توقيعه على مقال، في صحيفة ‘’لوموند’’ الفرنسية، مع الباحث سامي نايير، يدين إجرام الدولة الإسرائيلية، عرَّضَه لمشاكل لا تنتهي مع القضاء الفرنسي، من تبرئة إلى إدانة إلى إعادة تبرئة. مشاكل قضائية كان مفكرُّنا العجوز والمريض في غنى عنها. لم يدرس الكتاب والباحثون العرب بما فيه الكفاية مشاعر جينيه نحو القائد عرفات. ويقدم لنا الباحث ‘’سيكّاتي’’ بعض الإشارات. يرى بأن جينيه كانت له مشاعر تعاطف نحو عرفات، ولكنه ليس تعاطف رجل سياسي، إنه تعاطف شاعر لا يخشى شيئا، فضلا عن أنه، كان يسخر منه، أحيانا، ولم يكن مفتونا به.
يذهب جابلونكا بعيدا في اتهام جان جينيه بأشياء ليست دقيقة، يبتسر الاستشهادات ويؤولها حسب غريزته، وحسب هواه السياسي والصهيوني، يرى ‘’جابلونكا’’ (في صحيفة لوموند 15 نيسان 2006): بأن جينيه في الجزء الأول من كتابه ‘’أسير عاشق’’: ‘’يبرّئ هتلر من حرق اليهود أو من دوره في ذلك’’. وهو ما لم يقله جينيه. لقد قام بالقفز على ما أورده جينيه من أن ‘’هتلر سالم في حرق اليهود أو في المساعدة على ذلك أو في مداعبته كلبا’’. ما كان يقصده جينيه من هذا المقطع يتجاوز الاتهام الساذج الموجَّه له بمعاداة السامية’’. إن جينيه لم يتخذ أي موقف يمكن أن يتخذه قاض ديني، معلنا ما هو الخطيئة وما ليس بالخطيئة. إنه يكتبُ، وتكفي قراءة الجمل السابقة من أن هتلر سالم من النسيان، وبأنه نجا من النسيان. إن النصّ، كما كتب ‘’سيكّاتي’’، بكثير من الدقة والحصافة: ‘’دقيق جدا ومرهف، وهو يتحدث عن الأثر الذي تتركه الشخصيات التاريخية في الذاكرة الجمعية، بمعزل عن عظمتها أو نذالتها’’.
من الصعب مناقشة أطروحات هذه الكتب الثلاثة، مجتمعة. إن الصعوبة تتأتى من كونها تبتعد، في تحليلها، عن التحليل المنطقي وعن البحث الرصين. لا تختلف كثيرا، عن محاكم تفتيش، بقناع جديد، لابس ثيابا أكاديمية، وفي صميمها، لا تختلف عن ‘’صائدي النازيين’’. وهي فئة من شرطة إسرائيلية كانت تطارد(ولا تزال)، في كل بقاع الأرض، كل ما اشتبهت في ماضيه النازي. ألمْ يُتَهَّمْ الفيلسوف الألماني الكبير ‘’هيدغر’’ بنزوع نازيّ؟ ألم يُكرّس العديد من ‘’الباحثين’’ الحاقدين، ومن بينهم »فيكتور فارياس« Victor Farias (في كتابه النازية وهيدغر) أقلامهم الحاقدة للمسّ بهذه القامة الفكرية الهائلة؟ ولكنّ من سوء حظهم أن مثل هذه الكتب لم تلقَ نجاحا يذكر.
ما الذي يورده الكاتبان حقيقةً؟ لماذا محاكمة صُوَر جان جينيه ومجازاته وسخريته واستفزازاته ومواقفه؟ لماذا المطاردة، وتضييق الخناق على معاداة سامية مزعومة، وعلى تعاطف نازي مزعوم، في كتابات ونصوص لم تكتب، أبدا، بنية الإنحاء باللائمة على شعب معين وإبادته. إنها، على العكس، كتاباتٌ ونصوصٌ تُدينُ جوّ الوشاية المعممة لأمة (فرنسية) تحت الاحتلال الألماني. وفيما يخصّ ‘’أسير عاشق’’ فإنه كتاب يحاول تتبع قَدَرَ شعبين، أحدهما، السود الأميركيون الذين مُنِعتْ عنهم الكرامة الإنسانية، والشعب الآخر، وهو الشعب الفلسطيني، الذي هُجِّرَ وتعرّض للاستعمار والإهانة ونُزِعَت عنه كلّ هوية سياسية. نحن أمام ثلاثة كتب تعيد، من حيث لا تحتسب ولا تريد، الاعتبار لكاتب نادر من طراز جينية. سيظل جينية شوكة مؤلمة في خاصرة كل الذين ينكرون حقوق الشعب الفلسطيني. ومن غرابة الأقدار أن هذا الشعب الذي عشقه الكاتب، إلى حد التماهي معه، يتعرض الآن لامتحان عسير وحاسم. يحضر جينية، ولبنان، بكل مكوناته، بشعبه وبـ »بضيوفه« من اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم (بما فيها صبرا وشاتيلا) يتعرض لغزو إجرامي إسرائيلي في صمت عربي أسطوري. يحضر جان جينيه، اليوم، لأنّ البَدْر، بكل بساطة، يُفْتَقَدُ في الليلة الظلماء!
عن صحيفة الشرق الأوسط

تعليقات
إرسال تعليق