التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عن لوكليزيو وجائزة نوبل والكتابة


1جون ماري غوستاف لوكليزيو
لوكليزيو يفتح من خلال جائزة نوبل آفاقا جديدة للكتابة
العرب أونلاين ـ محمد محمد المزديوي: طال انتظار العرب لجائزة نوبل ثانية، بعد جائزة الراحل الكبير الروائي نجيب محفوظ، وكانت التوقعات في السابق، ربما لم تكن صحيحة مائة في المائة، تنتظر أن يحصل عليها محمود درويش أو أدونيس.رحل محمود درويش قبل الإعلان عن الجائزة "والجائزة لا تمنح للراحلين، وإلا لكان العظيم خورخي لويس بورخيس من الحاصلين عليها"، وها هو الشاعر الكبير أدونيس"أطال الله عمره" يجد نفسه محكوما عليه بالانتظار..وعلى كل، فالجائزة، هذه السنة، كانت فوق الشبهات، على الرغم"من أن تسريبا لاسم لوكليزيو كفائز، لطّخ شيئا ما من سمعة أعضاء لجنة التحكيم، "وإن لم يمسّ من مكانة الفائز"، وسبّب في مُراهنة الكثيرين من عشاق هذه الرياضة"رياضة المراهنة" التي تغدق المال الحرام".. أسباب كثيرة تبرر استحقاق جون ماري غوستاف لوكليزيو البالغ سن الثامنة والستين، لجائزة نوبل للأدب.. فهذا الكاتب، الذي يكتب في أجناس عديدة، بنى لنفسه عملا أدبيا لا يستهان به"ما يقارب أربعين عملا، بين الرواية والقصة والمقالة والدراسة".وإذا كانت الأكاديمية فسرت الأمر بـ"القطيعة" التي تشكلها كتابته وأيضا نزوعه الإنسانوي، فإن ثمة الكثير من الأشياء التي تجعل هذا الكاتب يشكل نشازا"إيجابيا، بالتأكيد" في المشهد الثقافي الفرنسي..فهذا الكاتب الذي فاز في سن مبكرة"23 سنة" بجائزة "رونودو" وهي من جوائز فرنسا الأدبية الكبرى، التي فاز بها سابقا، وقبله بفترة طويلة"1932"، روائي فرنسا الملعون، فرديناند سيلين، شقّ طريقه من خلال عمل أدبي غزير ومتنوع، جعله يبتعد عن كل الهموم والمشاكل الشكلية والمصطنعة التي كانت تختلقها مجموعات الكُتّاب الباريسيين.القطيعة الأولى إذن كانت في النأي عن هذه المجموعات الميديوية والابتعاد إلى عوالم بعيدة وغير مكتشفة من قبل من لا يغادرون باريسيتهم المتعجرفة، وينهمكون في نهش بعضهم البعض.لا يخفى على الملاحظين أن الكثيرين من الكتاب والنقاد كانوا يسخرون من كتابة لوكليزو ومن نزوعاته الإنسانوية، وأيضا من انزوائه في المكسيك والجزر البعيدة ونيس والمغرب وجزيرة موريشيوس، ولكنه مع كل ذلك كان يؤثث نصوصه بكثير من الأصالة والتنسك.لا يشبه فيليب سوليرز المغرم بالأضواء وبصداقة البابا جان بول الثاني أو ويلبيك الكاتب الفضائحي أو آخرين يطبعون كل دخول أدبي جديد بتصريحاتهم، غير الأدبية، علّهم يفوزون بإحدى الجوائز العديدة. يستطيع لوكليزيو أن يكتفي بالجائزة التي خطفها في سن الثالثة والعشرين"سنة 1963"، بالإضافة إلى جائزة بول موراند"التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية" عن روايته اللافتة: "صحراء""سنة1980".ولمن لا يعرف "بول موراند" فهو من عمالقة الأدب الفرنسي في الأربعينات وفترة ما بعد الحرب الكونية الثانية، ومن الذين دافعوا، بشجاعة، عن سيلين في محنته الكبرى.إن تتويج لوكليزو، الذي يعتبر بالضرورة انتصارا للأدب الفرنسي، الذي يعيش حالة من الركود، منذ عقود، هو انتصار للكاتب الإنسانوي"عشق التنوع والتعدد في كل المجالات، وارتباط بالطبيعة المهددة من قبل الإنسان" ونقد لاذع للعقل الغربي في نزوعه العلموي، وانتصارٌ لكتابة الترحل والسفر.كتب لوكليزيو عن المكسيك "وأنجز أطروحة عن تاريخ المكسيك" وكتب عن الصحراء وتزوّج من امرأة من الساقية الحمراء... ويبدو أن هذا الشكل من الكتابة"أو رؤية العالم" ومن اختيار المواضيع لا يروق لكثير من النقاد الباريسيين الذين يبرعون في إعطاء النصائح.ولا غرو أن روايته الجديدة "لازمة الجوع"، التي تتخاطفها الأيدي، تعرضت لبعض الانتقادات الجارحة، إذ رأت فيها مجلة "ماريان""ذات النزوع القوموي والعلمانوي" في عددها الأخير، "رذاذا كثيرا من أجل لا شيء"، ولكن كل هذا لا يخفي أن الفرنسيين استقبلوا هذا التتويج، وقبله تتويج الثنائي الفرنسي في مجال الطب، بفرح غامر، في وقت تعرف فيها معنوياتهم"المالية والاقتصادية والاجتماعية" هبوطا حادا...المفارقة الكبيرة في الحالة الفرنسية، هي أن الرأي العام الفرنسي استقبل الجائزة وكأنها جاءت في وقتها، في حين أن الدوكسا الفرنسية كان لها رأي آخر، وقد عبرت عنه منذ فترة بعيدة، حين رفض جان بول سارتر جائزة نوبل لأن غريمه ألبير كامي سبقه إلى خطفها.تدافع فرنسا، الرسمية والشعبية، بقوة عن مفهوم عريق ومتميز للأدب، وهو مفهوم "الاستثناء الثقافي"، وهو السبب الذي يجعل فرنسا تشجع صناعة الأفلام الفرنسية وتفرض نظام الحصص على بثّ الأفلام في القنوات الفرنسية، كما أن الدخول الأدبي الذي تعرفه فرنسا في مطلع كل سنة، لا يوجد في أي بلد آخر.هل هو خوف من العولمة؟ وهل هو خوف على اللغة الفرنسية، التي يعتبرها الكثيرون في حالة دفاع عاجز عن النفس.. وهل يمكن تفسير بعض التوجس من لوكليزيو بسبب منحى كتابته؟ من يقرأ نصوص لوكليزيو، في مختلف تمظهراتها، يكتشف لبعد الإنسانوي وبحثه عن ما هو خلاسي ومتنوع: الصحراء، المكسيك، أفريقيا والصراع العربي الإسرائيلي وغيرها من مواضيع لا يُعيرها الذين يدافعون عن معبد الثقافة الباريسية اهتماما، إن لم يكونوا على النقيض يسخرون منها ويقللون من قوتها.لوكليزيو، هو كاتب العولمة، بامتياز، العولمة الإيجابية، أي التي تساهم في الانفتاح على الآخر وتكشف عن روحية التسامح، فالعالم أصبح قرية كونية، أو ما يشبه جزيرة صغيرة، ألا تعود أصول لوكليزيو إلى جزيرة موريشيوس؟ يتعلق الأمر، إذاً، بعولمة لا يمكن لأحد إيقاف زحفها وانتصارها، في حين أن خصومه ومنتقديه، وهم كثيرون، يدافعون عن "شوفينية"، كانت "شرعية" حين كانت فرنسا امبراطوريةً وحين كانت المستعمرات تمتد على خريطة الكرة الأرضية.ويبدو أن الأمر خلط الأوراق، إذ يجد هؤلاء أنفسهم يدافعون من حيث لا يحتسبون عن ماض غير مُشرِّف للكولونيالية الفرنسية"تمجيد أفضال الاستعمار الفرنسي، كما تجرأ البرلمان الفرنسي على التصريح به" في حين يبزغ لوكليزيو باعتباره يؤنسن الوضع ويدافع عن كل ضحايا هذه الكولونالية، من دون استفزاز ولا مبالغة. إنها جائزة تشرّف، ليس فقط اللغة الفرنسية"موطن جون ماري غوستاف لوكليزيو الأوحد"، ومن خلالها الأدب الفرنسي، بل إنها مديح لـ\'الأدب الفرانكوفوني"، أيضا، هذا الأدب الذي لا يزال، لحد الساعة، يشار إليه في رفوف المكتبات الفرنسية، باعتباره أقل أهمية من الأدب الفرنسي. ترجمة لتقديم لوكليزيو لكتابه "الحمى"، وفيه كشف عن بعض همومه وطرق كتابته:"إذا كنتم تريدون حقا أن تعرفوا الأمر، فأنا كُنت أفضّلُ لو أني لم أولد أبدا. أَجِدُ الحياةَ مُتعِبَةً. بطبيعة الأمر، لقد حُسِمَ الأمر، الآن، ولا أستطيع تغيير شيء. لكن هذا الندم سيظل، دائما، قابعا في أعماق نفسي، ولن أنجح في التخلص منه بشكل نهائي، والتي ستضيّع كلَّ شيء.يتعلق الأمر، الآن، بالشيخوخة السريعة وبابتلاع السنوات بأكبر سرعة ممكنة، من دون الالتفات يمينا أو شمالا. يجب تحمل كل وَخَزات الوجود، مع الحرص على التخفيف من المعاناة. الحياة مليئة بأشكال الجنون. ليست سوى حالات جنون يومية صغيرة، ولكنها رهيبة، إذا تأملناها جيدا. لا أومن كثير بالمشاعر الكبيرة. أَلْمَح مكانَها جيشا من الحشرات ومن النمل التي تقضم في كل الاتجاهات. أحيانا تجتمع هذه السهام الصغيرة السوداء، فيفقد عقل الرجال توازُنَهُ.خلال بعض دقائق، بعض ساعات، تسود الفوضى والمغامرة. الحمّى والألم والتعب والنوم الذي يصل هي انفعالاتٌ قويّة جدا ومُحبِطة"للأمل" جدّا بنفس درجة الحب والعذاب والحقد أو الموت.أحياناً يَهْوي العقلُ الذي يتعرض لهجمات الأحاسيس في نوع من الانتشاء المادي. رؤية الحقيقة أكثرُ إبهاراً من مصباح قوسيّ. إننا نعيش في عالم هشّ. ويجب الانتباه إلى المكان الذي نضع فيه نظرَنَا، يجب توخي الحذر من كل يصل إلى أسماعنا، ومن كل ما يمسّنا. هذه القصص التسعة هي قصصٌ مُتَخَيَّلَة. ولكنها مع ذلك لم يَتِمَّ اختراعُها. إن مادتها تم استقاؤها من تجارب أليفة. نحس بالدوار، كل يوم، بسبب المناخ أو بسبب آلام الأسنان الرهيبة أو بسبب دوخة عابرة. نستشيط غضبا. نشعر باللذة. نشعر بالثمالة.هذه الأشياء لا تدوم طويلا، ولكنها كافيةٌ. إن جِلْدَنَا وعيونَنا وآذانَنَا وأنوفَنَا وألسنَتَنَا تُخزّنُ كل يوم ملايين الإحساسات من دون نسيان أيّ واحد منها. هنا مكمَنُ الخطر. إننا براكينُ حقيقيةٌ.لقد توقفتُ، منذ فترة طويلة، عن قول كلّ ما أفكّر فيه"أتساءل مع نفسي أحيانا إذا ما كان يوجد، حقيقةً، شيءٌ يُدعى: فكر"؛ اكتفيتُ بكتابة كل هذه الأشياء نثرا.الشعر والروايات والقصص هي أشياء قديمة متفردة لا تخدع أحدا. القصائد والمحكيات، لماذا؟ الكتابةُ، لم يتبقَّ سوى الكتابة، الكتابة وحدها، التي تتحسس بكلماتها، التي تبحث وتصف، بدقّة وبعمق، التي تتمسّك وتشتغل على الواقع من دون مجاملة.من الصعب إنتاج الفنّ حين نرغب في إنتاج العلوم. كم أودّ لو أُمْنَح، بطريقةٍ مَا، قرناً أو قرنين"من الزمن" كي أعرف". بعض من مواقف لوكليزيو الإنسانوية:لا يتوقف لوكليزيو عن السفر، وإن كان الجميع يعرفون شغفه بالمحيط الهندي فهو أيضا يرتاد كثيرا الشرق الأقصى، وبالأخص كوريا، التي زارها سبع مرات. ولا يخفي قلقه من جوّ "التغريب" الذي تعرفه المنطقة. ولكنه يضيف نقلا عن الكاتب الكوري "سوك يونغ هوانغ": "من الذي يجعلك لا ترى أن المسيح كان كوريا؟ إن ما يقلقه هو الخوف على انهيار الثقافات المحلية، هناك. كما أن مواقف لوكليزيو الرافضة للعنصرية تبدو في أوجها، حين يصرح لمجلة ليكسبريس الفرنسية: "حين كنت طفلا، عشت ردات عديدة للزلزال الذي مثلته الحرب الكونية الثانية، أتذكر كلمات ومواقف عنصرية ومعادية للسامية، سمعتُها في عائلتي القريبة والبعيدة، لقد وقعت الحرب، ولم يتعلموا شيئا.حين نكون أطفالا، لا نعرف ما الذي تدل عليه هذه الأشياء، ولكننا، نُصَاب غريزيا، بالصدمة".وبخصوص العلاقات بين الغرب والعالم الثالث، يقول: "لا أعتقد بمواجهة ما بين العالميْن. أكره هينتنغتون ونظريته عن صدام الحضارات.وقد كتبتُ نصا هجائيا أسميتُه "ضد صموئيل هينتنغتون"، لم أنشره. إن مواقفي نابعةٌ من كون الثقافات كلها هجينةٌ ومختلطة بما فيها الثقافة الغربية التي تتكون من عناصر قادمة من أفريقيا وآسيا.لا يمكن وضع حاجز أمام الاختلاط والتهجين. كما أن الحداثة هي أيضا يابانية وكورية وصينية بقدر ما هي أوروبية وأمريكية".وعن نزوعه الإيكولوجي، ينتقد لوكليزيو الدول الغربية التي، بهد قيامها بنهب وسرقة الكرة الأرضية، تسعى إلى منع الدول الأخرى من الوصول إلى التنمية ومن استخدام موادها الأولية."لا يمكن أن نمنع بلدا، كالبرازيل من الالتجاء إلى جميع الوسائل من الخروج من الفقر. كنتُ إلى جانب الكاتب المالي "أمادو هامباتي-با"، ذات يوم، وهو يتلقى جائزة أدبية، حين اقتربت سيدة من هذا الكاتب الضخم، ذي الهيأة الأفريقية، وسألته: "ما الذي تنوون فعله من أجل إنقاذ الفيلة؟" فأجابها: "سيدتي، إن الفِيَلَة حيوانات قذرة تدوس كل مزروعاتنا." أصيبت السيدة بصدمة شديدة". وعن سؤال بخصوص مستقبل الرواية كجنس أدبي، يرى لوكليزيو أنه سبق للكاتب الفرنسي رايموند كينو أن طرح سؤالا: "ما الذي سيصبح عليه الأدب إذا طفق الجميع يكتبون؟ ومثل ما هو الشان مع كل تمظهر إنساني، فإن الرواية لن تعيش سوى زمنها. في البداية لم تكن الرواية شيئا محدَّدا بشكل جيد، كانت، ببساطة، محكيا مكتوبا في اللغة اليومية.إن ما يروقني في الرواية، هو أنها تتيح التحدث عن النفس من دون التحدث عنها، وتتيح التلفظ بأفكار فلسفية من دون أن نكون فلاسفة.إنها كيس السفر، وعمليّة. إن نجاحات الرواية في المائة سنة الأخيرة تتأتى من هنا. إنها نوعٌ من مختصر من أجل معرفة حالة العالَم، وحالة الكائن، عند الاقتضاء. الرواية، بصفة عامة، مسألةٌ شبه بيولوجية، وإيقاعات طبيعية يخضع لها المجتمع الإنساني، وربما هنا تكمن البيولوجيا.لا يمكننا منع اختلاط الناس والأنواع والثقافات. وإذا كان مصير الرواية هو الانقراض، فإن الأكاديمية الفرنسية لا يمكنها وقف هذا الذوبان".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...