التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بورتريه منحازٌ لإدوارد سعيد
تزفيتان تودوروف التقيتُ إدوارد سعيد في سنوات السبعينات في جامعة كولومبيا بنيويورك. كنتُ أرتادها مَرَّةً كُلَّ ثلاث سنوات وكنتُ أُلْقِي فيها مُحاضَرَات في قسم الأدب المُقارَن حيث كان يُدَرِّسُ إدوارد سعيد. تَعَرَّفْتُ عليه سنة 1974، ولكننا لَمْ نُصْبِحْ صديقَيْن إلاّ سنة 1977 أريد أن أستَحْضِرَ الانطباعَ الذي تَوَلَّدَ عن هذا اللقاء دُونَ أن نُخَطِّطَ للقاءات التي سَتَلِيه. لدينا قواسم مشتركة يمكنُهَا أنْ تُقَرِّبَ مابَيْنَنَا. وُلِدَ سنة 1935، وهو يَكْبُرُنِي بأربع سنوات، وهُوَ فَارِقٌ ليست له كبيرُ أهمية في عُمْرِنَا. كان قَد نَشَرَ كِتَابَهُ الأول "جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية" Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography من أطروحة دكتوراه، في سنة 1966، أمّا كتابي الأول، وهو عبارة عن أطروحتي المُعَدَّلَة، فقَدْ ظَهَر سنة 1967. كان يهتمّ بالنِّقَاشَات "النَظَرِيَّة" كما كنّا نطلق عليها حِينَهَا، والتي كان يُثيرُهَا بعضُ النُقَّاد والفَلاَسِفَة الفرنسيون، وقد ساهم فيها في كتابه الثاني "البدايات" Beginnings، الذي يعود لسنة 1974. كنتُ مُنْشَغِلاً بتجديد الدراسات الأدبية، وكنا نستطيع أن نَعْثُرَ على لُغَة مُشْتَرَكَة. ولكن كانت ثمة خاصية مشتركة أكبر وأهمّ من سِيرتَيْنَا: فَقَدْ كان كِلانا مُهاجِراً، هو في الولايات المتحدة وأنَا في فرنسا، مهاجران قادِمان من بلدين وَاقِعَين على هامش الغرب، هو القادم من فلسطين ومصر وأنا من بلغاريا. وهي مجموعة بلدان (مصر، فلسطين وبلغاريا) تفرق بينها مجموعة من القَوَاسِم ولكننا نَعْثُرُ فيها على نَفْس الإحساس بالقُرْبِ وبالدونية بالمقارنة مع أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية - شعورٌ يمكنه أن يُوَلِّدَ خليطا من الحسد والغيرة ومن الضغينة. يُضَافُ إلى ما سبق كونُ بلدانِنَا يَرْبِطُ ما بينها قَاسِمُ خُضُوعِهَا، في الماضي البعيد، لنفس الدولة، أي الإمبراطورية العثمانية. لم يُمارِس الأتراكُ سياسة الإدماج القسريّ، ولكن بعض أشكال الحياة كانت موجودة في هذا الطرف أو ذاك من الإمبراطورية. هكذا اكتشفنا، بكثير من المفاجأة، تَقَارُباً كبيراً بين تَقاليدنا المتعلقة بالطبخ، الخيار (القثّاء) باللَّبَنِ الرائب والباذنجان وكُرَيَّات اللَّحْم الصغيرة... لاحِقاً وبعد أن قرأتُ سيرته الذاتية سأكتشِفُ تَقَاطُعاً آخر لِطُرُقِنَا. في سنة 1912 ستدخل الدولة البلغارية التي كان قد مضى على استِقْلالِهَا عن الوصاية العثمانية (الكلمة المكرسة باللغة البلغارية هي النّير) خمسة وثلاثون سنة في أول حرب بلقانية ضد الأتراك. والد "إدوارد سعيد" الذي كان يقيم بفلسطين، والتي كانت لا تزال تخضع للهيمنة التركية، سيتمّ استدعاؤُهُ لقضاء الخدمة العسكرية وإذاً لِمُحَاربة البلغار. مَنظورٌ حزينٌ سيَجْعَله يُغادِرُ بلدَهُ لِيَلْتَحِقَ بالولايات المتحدة - وهنا سيحصُلُ على الجنسية الأمريكية. وهو ما سَيُوَجِّهُ مصير وقَدَرَ ابنه، بعد أربَعين سنة. هكذا سَتُشَكِّلُ الإمبراطورية العثمانية ومُعَارَضَتُهَا جزءاً من إرْثِنَا، معا أنا و"إدوارد سعيد".إنّ كُلَّ المُهاجِرين يمتلكون شخصيات متعددة، لأنهم يعرفون القطيعة ما بين فترة سابقة وأخرى لاحقة، ولكن كلينا عَاشَ هذه التعددية على طريقته. تَعددية "إدوارد سعيد" كانتْ مُعَقَّدَةً بشكل خاصّ، ويحمل منها آثاراً حتى في اسمه، حيث نصفه إنجليزي ونصفه الآخَر عربيّ. كان ينحدر من بلد لا وجود له، عاش المنفى في مصر، وتَلقَّى تعليمه في المدارس الإنجليزيّة التي كانت مُوَجَّهة لِنُخْبَة البلد ولَكِنْ بِنِيَةِ الاحتقار أو رفض الثقافة المحليّة، ثم تعرّض للمنفى للمرة الثانية في الولايات المتحدة حيث كان محلَّ اعتراف من الجامعات الأمريكية الشهيرة، كما كان في نفس الوقت يَشْعُرُ بالسَّخَط والاستنكار للسياسة الخارجية للبلد.. لم يَعُدْ "إدوارد سعيد" يَعرِفُ ما هي لغته الأصلية، العربية أم الإنجليزية، لُغَة من تعرّض للهيمنة أم لغة المُهَيْمِنِينَ. إنّ الانتماءَ المُوَازي لعدة بلدان من "الدرجة الثانية"، أو الانتماء لِدُول هامشية بالمقارنة مع الغرب، كان مسؤولاً دونما شكّ عن التعاطف الذي كنتُ أحِسُّ به تجاه صديقي الجديد، ولكنه لم يكن الوحيد. لم تكن توجد لدى "سعيد" أدنى غطرسة، ولم يكن يُعيرُ أدنى أهمية للأعراف ولا لعادات أو تقاليد الحياة الأكاديمية العزيزة على قلوب زملاء آخَرين (لا يجب أن ننسى أن هذه العادات والتقاليد تَحْظَى باحترام أقلّ في جامعة نيويورك بالمقارنة مع الجامعات الأخرى). كان يُحِبّ المزاح والتنكيت وكان يُعيرُ أهميّةً كبيرة للصداقة. كانت تصرفاته تُجَسِّدُ البساطة، وكان الشخصَ الأكثر إخلاصاً ومَوَدَّة الذي التقيتُ به في هذا الوسط. كُنّا نَنْزِلُ دونما حَرَج عنده وعند زوجته "مريم" Mariam حتى حِينَمَا كُنّا مرفوقين بأبنائنا. ما زِلْتُ أراهُ –ولكن هذا يعود إلى عشر أو خمسة عشر سنة- وهو يعدو في أَثَرِ أُسْرَتِنَا الصغيرة في شوارع نيويورك كي يُعيدَ إلينا رَضَّاعَة طِفْلِنَا الصغير التي نسيناها في شُقَّتِهِ بعد سهرة حافلة.عدل سابقا من قبل في السبت أغسطس 18, 2007 8:50 pm عدل 1 مرات


kanaan
{{}} مشرف {{}} عدد الرسائل: 533البلد: Yiebnaالوظيفة: Criticتاريخ التسجيل: 12/07/2007
موضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ... السبت أغسطس 18, 2007 8:46 pm
في هذه الأثناء كان "إدوارد سعيد" رجلاً في عجلة من أَمْرِهِ بِشَكل دائم، أو كان بالأحرى يعيشُ بسرعةٍ تَتَجَاوَزُ سُرْعَة معظم الرجال الآخرين، فقد كانت له نشاطات لا تحصى ولا تُعَدُّ، وكان يتوجب عليه أن يُسْرِعَ دائما كي يَتَفَرَّغَ للأشياء التي تلي دونما توقف. لم يَكُن يَعرِفُ القلق أمَامَ الورقة البيضاء، ولم يَكُنْ يَرْكَنُ أبداً لِلْعُطَل. لقد كانت السرعة قُوَّتَهُ، إذ كان يَعْزِف بشكلٍ لافتٍ على البيانو، ولكِنِّي كُنتُ أريدُ أن أراه يخفف قليلاً من هذه السرعة؛ كان لاعباً جيّداً للتنس، ولكنه كان يُفضِّلُ لعب السكواش squash، لأنّ الكرة تَعودُ بسرعة. وكان أحياناً يفتَقِدُ في علاقاته الإنسانية، أيضاً، إلى الصبر. كان "إدوارد سعيد" أيضاً، من بين معظم زملائي في جامعة كولومبيا، من يُلْفِتُ النظرَ بحضوره الجسديّ. لم يكن فقط طويلَ القامة ولكنه كان يمتلك ذوقاً للباس، فقد كان يرتدي صدرياتٍ لائقة من جِلْد الأيِّل؛ وأيضاً كان يَتَحَرَّكُ بأناقة ولباقة. ولدى رؤيته لم يكن من الوارد أن نَخَلط بينه وبين أحد من زملائه، هؤلاء الرجال الشاحبين والمُتَلاَشِين الذين يُعطون الانطباع بأنهم يعيشون من أجل كُتُبِهِم فقط، وَيَنْزَعون إلى أن يصبحوا عُقُولاً خالصةً. كان "إدوارد سعيد" واقعياً، وكان أيضاً جسداً، ولم يَكُن يُريد أن يتجَاهَلَهُ.النصّ والعَالَم لقد كانتْ لِهذا الخيار انعكاسات على اشتغاله، وهو ما كان في حدّ ذاته استثناء. وعلى الرغم من مشاركته في المَوْجَة الجديدة لـ"النَظَرِيَّة" في الدراسات الأدبيّة التي كانت في تَعَارُضٍ مع حالة سابقة من المُقَارَبَات التي كانت مَحْض بيوغرافية وتاريخية أو إستيتيقية (جمالية) للنصوص، فقد كان قد بدأ في الابتعاد عنها وكان يتحدث عنها بنوع من السخرية. وَسَيُفَسِّرُ هذا لاحِقاً في كتاباته التي سيجمعها سنة 1983 في مجموعة نصوص بِعُنوان كاشِفٍ "العَالَم، والنصّ، والناقد" The World, the Text and the Critic. بعد عشرين سنة، وفي تَصدير كِتابه الأخير الذي جَمَّعَ فيه مقالاتِهِ عن الأدب، "تأملات عن المنفى" Reflections on Exile، سَيَتَحَدَّثُ عن هذه اللحظة من تاريخ وظيفَتِنَا: "في اللحظة التي كانت فيها "النظرية" تحقق فُتُوحات فكرية في أقسام الإنجليزية والفرنسية والألمانية في الولايات المتحدة، كان مفهوم "النصّ" يخْضَعُ لِتَحوُّلات شبه ميتافيزيقية مقطوعة عن كل تجربة. "كُنتُ قد ساهمتُ بدوري في تنشيط هذه المُقَارَبَات في العلوم الإنسانية، التي ندعوها بالبنيوية أو السيميوطيقية، والتي تُتيحُ لنا، كما كنا نتصور، أن نُحَلِّلَ النصوصَ بِشكل جيد؛ ولكن التي كانت، بحقٍّ، لا تهتمّ إلاّ نادراً بالعنصر الآخَر الذي ظَهَرَ في عنوان "إدوارد سعيد"، ألا وهو العَالَمُ. في هذه الفترة التي أتحدث عنها، والتي تدور حوالي سنة 1977، بدأت هذه الوضعية في إقلاقي، خصوصا وأنه بدأ ينتابُنِي اليَقينُ، منذ سنواتٍ خَلتْ، بأنه يتوَجَّبُ الحِفاظُ على استمراريةٍ مَا بين الكائن والفكر، ما بين وُجُودِي واشتغالي (وظيفتي). كُنتُ أُحِسّ بالراحة إزاء الانتقادات التي بدأ "إدوارد سعيد" يُوَجِّهُهَا إلى أصحابه "المُنَظِّرِين".الأحداثُ التي دفعَتْنِي إلى هذا الاتجاه كانت شخصيةً محضة، وهي حصولي على الجنسية الفرنسية في سنة 1973 وولادة ابني البكر سنة 1974. بينما كان الأمر مختلفاً بالنسبة لإدوارد سعيد، فالحَدَثُ الذي غَيَّرَ طريقتَهُ في التفكير كان حرب الأيام الستة في سنة 1967، وهي حَربٌ خرج فيها الفلسطينيون والمصريون مهزومين ومُهانِينَ مِن دون شكّ. كانت عائلة "إدوارد سعيد" قد استَقَرَّت في مصر، وكان هو بنفسه يُقيم بالولايات المتحدة منذ سنة 1951؛ ولكنَّهُ لم يَكُن قد تبنّى هذا المنظور السياسيّ قبل سنة 1967. بعد هذا التاريخ قرّر أن تَسِيرَ حياتُهُ على مستَوَيَيْن منفَصِلَيْن، ففي الجامعة أي في عالَم المهنة لمْ يَكُن يُشيرُ أبداً إلى أُصُولِهِ الفلسطينية وكان يَتَنَاوَل فيها بالتدريس كُتَّاباً أوروبيين أو أمريكيين؛ أَمَّا في حياته المدنية فقد كان ينخرط أكثر فأكثر، وبشكل قويّ، في قضايا وَطَنِه الضائع. لاَحَظْتُ أنه في سنة 1977 التحق بالمجلس الوطني الفلسطينيّ، وهو برلمان المنفى لهذا البلد الذي لا وجود له. لم يتحدَّثْ إليَّ عن هذا، إذْ لم أكن أنتمي إلى هذا العالَم. يَجِبُ أن نُضيف بأن هذا الانخراط السياسيّ كان بالنسبة لهُ مسألةً شخصيّةً؛ إذْ أَنَّ أبَوَيْهِ لم يكونا يكتَفِيَان بِعَدَمِ تشْجيِعِهِ بل كانا يريدان ثَنْيَه عن هذا الانخراط السياسي. يحكي "إدوارد سعيد" أنّ أباه، وهو على فراش الموت، في سنة 1971، حَذَّرَهُ بالقول: إنّ وَظيفَتَكَ هي الأدبُ. لماذا تهتمّ بالسياسة؟ إنَّك تُخَاطِرُ بتلقي الكثير من الضَّرَبَات! ستموت أُمُّهُ بعد عشرين سنة من وفاة أبيه، ولكنها كانت تُوَجِّهُ له، بشكل دائم، نَفْسَ النَّصَائح: عُدْ إلى الأَدَب، لا شيء يمكن أن يَنْبَثِقَ من السياسة العربية! ولكنّ "إدوارد سعيد" سيُلاحظ في سنة 1998 أنّه "فيما يَخُصُّنِي، كُنتُ عاجزاً عنْ أن أعيش حياةً مُتَحَرِّرَةً من أيّ التزام أو مُعلَّقَة، إذْ أَنِّي لَمْ أتَرَدَّدْ في إعلان انتمائي إلى قضية لا تَحْظَى بِأدنى شعبية". غير أنه في لحظة التقائنا، كان "إدوار سعيد" قد عَثَرَ على وسيلة لتقريب ومُشَابَكَة خَيْطَيْ وُجُودِهِ. لقد عَثَر مُحَلِّلُ أعمال وَمُؤَلَّفَات الأدب الغربي والمَنفِيُّ الفلسطينيّ على أرضية مُشْتَرَكَة، وهي أن يقوم "إدوارد سعيد" بدراسة الخطاب الغربي حول الشرق، وهو ما سيُسميه بـ"الاستشراق". هو نفس العنوان الذي سيأخذهُ كتابُهُ الذي صدر سنة 1978 والذي سيُسَاهِمُ في إحداث قطيعة جديدة في مَسَارهِ (بعد قطيعة 1967)، فَمِنَ الآن فصاعداً سيُمكن لوجود "إدوارد سعيد" وعمله المهني أن يَتَوَاصَلاَ (من التَّوَاصُل). الكِتابُ سَيُتَرْجَم إلى أكثر من ستة وثلاثين لغة! وسيُؤَثِّرُ بعمق على دراسة العلاقات الثقافية ما بين الدول الكبرى والمُسْتَعْمَرات.إنّ الأطروحة المركزية في كتاب "الاستشراق" ليست هي ما اعتقدناه أحيانا من أنه من الضروريّ، بِصيغةٍ مَا، إعادةُ الاعتبار لِشَرْقٍ قَسَا عليه مُؤَلِّفون غربيون شهيرون وإذاً تصحيح صورةٍ مَا. الأطروحة كانت أكثَرَ جذرية مما سبق؛ كانت تتعلق بالقول بأنّ "الشرق" لم يكن موجوداً، إلاّ من خلال فَبْرَكَة، إلاّ من خلال تخيل ابتدعَهُ الغربيون. هذا التأكيد يرتكز على إثبات الحالة التي ترى أنّ هذا التعبير، في البداية، كما هو حال التَّعَابير التي يَتِمُّ اسْتِبْدَالُهَا أحياناً بتَعابير من قبيل "عربي" أو "مسلم"، تُغَطِّي تنويعات كبيرة من الوَقَائِع مُشَتَّتَة ومُبَعْثَرَة في الزمن وفي المكان، كي يكونَ مُمْكِناً أن تُسْتَخْدَمَ استخداماً مُثْمِراً. بالإضافة إلى هذا فإنّ المجتمعات التي يَتِمُّ وصفُهَا بـ"الشرقية" لم يكن لَهَا أبداً وُجُودٌ معزولٌ، ولهذا فمن المستحيل أن نَسْتَخْرِجَ منها جوهراً خالصاً، فَمِثْلَمَا هُوَ الحال بالنسبة لكُلّ المجتمعات، فإنّ ثقافتها (أي ثقافة المجتمعات "الشرقية") هجينةٌ، وهي منتوجُ لقاءات وتبادلات وتفاعلات لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ. إنّ مفهوميْ "الشرق" أو "الشرقي" لا ينحدران من تعميم للوقائع التي نراها في هذا الجزء من العالَم، ولكنْ من حاجةٍ أحسَّ بها الأوروبيون لتشييء هذا الآخَر "(آخَرَهُ[ـم] "autre"، بعيداً عنهم، هذا الآخَرُ الذي هو في نفس الآن دَفّاع ومَحَلَّ جَاذِبِيَّة غريبة. إنّ الخطاب حول الشرق يُخبرنا ليس عن العالَم الشرقيّ، وإنَّمَا عَنْ مُؤَلِّفِيهِ الغربيين. إنّ هذا هو ما يُوَضِّحُ التحليلات التي قام بها "إدوارد سعيد" عن نصوصٍ كان أصحابُها كُتَّاباً أو رَحَّالةً كـ"شاتوبريان"Chateaubriand، "نيرفال" Nerval أو" فلوبير"Flaubert، أم كانوا سياسيين كـ"ديزرائيلي" Dezraely و"كرومير"Cromer أو "بلفور" Balfour أم عُلَمَاء كـ"سيلفيستر دو ساسي" Silvestre de Sacy "رينان" Renan، أم حتى "كارل ماركس" Carl Marx. سَيُثير كِتَابُ "الاستشراق" كثيراً من رُدود الفِعْل المُعارِضَة، إنْ مِنْ قِبَل المُسْتَشْرِقِين الغربيين أو مِنْ طرف القوميين الشرقيين، لأنه أنكر على كِلا الطَّرَفَيْن الحقَّ في الحديث عن موضوع "الشرق" وَشَكَّكَ في هَوِيَّتِهِمْ ذاتها.وفيما يَخُصُّنِي أنا، فإنّ أحاديثنا حول هذا الموضوع، في سنة 1977، ثم قراءتي للكِتَاب في السنة التالية، أقنَعَتْنِي بِصِحَّةِ ودِقَّة العديد من التحليلات، فقد كان الخطاب "الاستشراقيّ" في الواقع مُشَرَّباً بِكْليشيهات تَنْتَقِلُ من مؤلِّف إلى آخَر وتُبَسِّط إلى أقصى حدٍّ الشعوب أو الساكنات التي هي موضوع الدراسة. أنا الهجينُ ثقافياً، كنتُ أيضاً مُقْتَنِعاً بأنّ الهويات الوطنية أو الإثنية لا تَصْمُدُ في مواجهة الامتزاجات والاختلاطات. في المُقَابِل كنتُ أَشْعُرُ بِصُعُوبَاتٍ أمام التأكيد الأول لـ"إدوارد سعيد" بخصوص استحالة التعميم انطلاقاً من تجارب فردية. فَإذا دَفَعْنَا هذه الفكرة إلى أقصى حَدّ فإنّ هذا التَحَيُّز الاسميًّ (وحدهم الأفراد لهم وُجُودٌ) كان سيَجْعَلُ من المستحيل كلَّ معرفة للثقافات. غير أنه إذا كان صحيحاً وُجُودُ أفرادٍ يختَلِفُون فيما بينهم في أحضان ثقافةٍ مَا فَمن الصحيح أيضاً بأنّهم يَتَقَاسَمُون سِمَاتٍ عديدةً تَفْقَأ العيون، وبشكل خاصّ، عيون المراقبين الأجانب (إنه امتيازُ "النظرة البعيدة" التي يتحدث عنها "كلود ليفي-شتراوس" Claude Levi-Strauss). إنّ نظرة الرَحَّالة والعلماء والسَّاسَة كانت واقِعةً، بالتأكيد، تحت تأثير أفكارهم المُسْبَقَة وحاجتهم إلى أنْ يَخترعوا لأنفسهم "آخَرَ"؛ ولكن ألاَ يُمْكِنُ لهذه النظرة أن تَتَحَدَّدَ، على الأقلّ بصفة جزئية، من خلال موضوعها؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، ألا يمكن لخِطَابِهِمْ أن يُخْتَزَلَ إلى وَضْع statut العَرَض، وهو ما يُعَادِلُ أن نَنْزَعَ عنه كُلَّ قيمةِ حقيقةٍ؟ أو إذا أردنا صياغة هذا التساؤل بِصِيغة أخرى: في أيّ لحظة يصبح فيها التعميمُ لاَشَرْعِيّاً؟ ربما لا يوجد مِنْ وُجُودٍ لـ"الشرق"، وكذلك لـ"العربي"، ولكن هل توجد من مصلحة في الحديث عن مِصْرِيِّين؟ وعن سُكَّان القاهرة؟ وعن عقليّة حيٍّ أو شارعٍ مَا؟ لم يكن "إدوارد سعيد" يُريدُ طَرْحَ مثل هذا النوع من الأسئلة ولم يكن بِوُسعه أن يَتَسَاءَل حول هذه الهويات، فهل هي متحركةٌ وغير متجانِسَة: وإلاّ كان سيُجَاسِرُ بِالتَعَرُّض لمختلف أشكال التوبيخ وَاللَّوْم التي وَجَّهَهَا هو بنفسه للمستشرقين. اكتفى" سعيد" إذاً بِدِرَاسَة الغرب، غير أنّ الغربَ هو أيضا تَعميمٌ!


kanaan
{{}} مشرف {{}} عدد الرسائل: 533البلد: Yiebnaالوظيفة: Criticتاريخ التسجيل: 12/07/2007
موضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ... السبت أغسطس 18, 2007 8:47 pm
هذه التحفُّظَات لم تَمْنَعْنِي من أن أُلاَحِظَ كيف كانتْ قِراءةُ "إدوارد سعيد" مُنْعِشَةً؛ وكذلك في أن أُوصِي وأنْصَحَ نَاشِري في تلك الفترة، "دار لوسوي" le Seuil، بِطَبْع الكِتَاب. تمّ قبول فِكْرَةُ طبع الكِتَاب، وَوَجَدْتُ في شخص "كاترين مالامود"Catherine Malamoud، التي كنت أعرفُهَا بشكل جيد، مُتَرْجِمَةً مقتدرة وصارِمَة ومُتَحَمِّسَة، وهكذا ظهرت أول ترجمة لِكِتَاب "الاستشراق" في سنة 1980 مصحوبةً بتقديمي. أثناء هذه السنوات وَاصَلْتُ عملاً مُوازِياً حول النظر الذي يَحْمِلُهُ رَعَايَا ثَقَافةٍ مَا عن رعايا ثقافة أخرى، وإذاً عن الوحدة والتعدد الداخليّ للنوع البشريّ، وهو عَمَلٌ أثْمَرَ كِتَابَيَّ: "غزو أمريكا" la Conquête de l'Amérique و"نحن والآخرون" Nous et les autres .الكِتاب الأخير تمت ترجمته إلى الإنجليزية وصدر في سلسلة كان يُشْرِفُ عليها "إدوارد سعيد"... وكما هو شأن "إدوارد سعيد" كنتُ قد جعلتُ من شَرْطِي كَمُهَاجر موضوعا للتأمل - ليس بطريقة مباشرة على النمط الأتوبيوغرافيّ، ولكن تَماثُلِيّاً، من خلال اهتمامي بتجارب أخرى مُشابِهَة. ومن جهته سيواصل "سعيد" ارتياد الطريق التي سبق له أن دشَّنها من خلال مُؤَلَّفات أخرى من نوع "تغطية الإسلام" Covering Islam و"الثقافة والإمبريالية" Culture et impérialisme. خيارات سياسيةهذه الانشغالات المتقارِبَة لم تُخْفِ عني سلسلةً من الاختلافات ما بين المسار الذي أخذه فِكْرُ "سعيد" ومساري أنا. إنّ الطريقة الأكثر بساطة لعرض هذه الاختلافات، ولكنها ليست الأكثر وَجَاهَة بالضرورة، هي التذكيرُ بِتَبَايُن واختلاف تَجارِبنا السابقة، فَحَاضِراً كنّا معاً مُهاجِرَيْن، ولكنه في السابق، عاش في بلد من أفريقيا الشمالية خضع للوصاية البريطانية، بينما قدمتُ من بلد من أوروبا الشرقية خاضع للسيطرة السوفياتية. كان لدَيَّ شعورٌ بأنّ الصراعات بين الشرق والغرب، بين الشيوعية والديموقراطيات الليبيرالية تظلّ في نَظَر "سعيد"، صراعاً ما بين أغنياء، ما بين بِيضٍ، ما بين أوروبيين، ما بين مجموعَتَيْن تستحقان ألاَّ يُحْكَمُ على أيّ منهما وأن تُوَاجَهَا معاً كَكُتْلَةٍ من قِبَلِ سُكَّان الجنوب أو العالَم الثالث، مُمَثِّلِي صراعٍ أكثر أهمية. إنّ ما كان يكتبه "سعيد"، بشكل عابر، عن الصراع شرق-غرب كان يبدو لي ، في تلك الفترة ولاَحِقاً، قليلَ الحساسية وقليل الوضوح والإضاءة، وكان يبدو لي، كذلك، منتوج دُوغْمَا أكثرَ مما هو حصيلةٌ لِمَعرفة عميقةٍ.إنطلاقا من هذا، ظهرت إلى السطح اختلافاتٌ أخرى. فالخَصْمُ المركزيّ، بالنسبة له، يدعى الإمبريالية، أووربية كانت أم أمريكية؛ أما بالنسبة لي فالخصم المركزي هو التوتاليتارية، شيوعيةً كانتْ أم نازية. الكُتَّابُ الذين كانَ يُحيلُ إليهم، بطيبة خاطر، كانوا "لوكاش Locase " و"غرامشي" Gramsci و"أدورنو"Adorno و"فانونfanon " و"فوكو" Faucault، بينَما كنتُ أشعُرُ بأنّ باختين" Bakhtine و"ديمونت" Dumont و"بوبر" Popper و"أرون" Aron و"فاسيلي غروسمان" Vassili Grossman و"جيرمين تيليون" Germaine Tillion هُمْ خَيرُ مَنْ يُساعِدُنِي. لقد كانت القيمة الرئيسية لِعَالَمه تتمثل في المساواة، في نفس الوقت كان يبدو أنّ طَرْحَ مسألة السُّلْطَة autorité على بساط البحث تُرَاوِدُهُ، والسلطة هنا بِمختلف أنواعها، بينما كنتُ أتمسك وأتعلق ، بشكل خاصّ، بالحرية الفردية وكنت أبحث عن طرق للتَّوافُق. كان يحضرُنِي الانطباعُ بأنّ "سعيد" أمام النصوص الأدبيّة يَهْتَمُّ قبل كلّ شيء بمحور التَّوَاصُل، مَنْ يَتَكَلَّمُ وإلى مَنْ ولِمَ وبِأيّ غَرَض، وما هي الرهانات السياسية لِهَذا التفاعل. من جهتي كنتُ أَدَعُ جانباً الأسبابَ وتأثيرات الخطابات كي أُرَكِّزَ فكري على تأويلِهَا-كنتُ أقرأُهَا قَبْلَ كُلِّ شيء، ليس كَوَسيلة للحركة أو الفعل، ولكن كَطَريق للوصول إلى الحقيقة. غير أنّ هذه الاختلافات، التي لا تَقْبَلُ الجَدَل، لم تَكُنْ تُعِيقُ في شيءٍ علاقاتِ الصداقة بيننا. لستُ أدري إنْ كان "إدوارد سعيد" قد انتبه إليها؛ وعلى كلّ حالٍ فأثناءَ هذه اللقاءات التي كانت المَسَافات تجعلها نادِرَةً في كل الأحوال، لم نَكُنْ نتحدث عنها أبداً، وكُنَّا نُفَضِّل أن نُرَكِّزَ على ما يُقَرِّبُ بينَنَا.ثمة اختلافٌ مركزيّ آخَرُ في حياتنا السياسيّة ويتمثَّلُ في أنّ "إدوارد سعيد" كان منخرِطاً بِشَكلٍ نشيط في الصراع السياسيّ، وهو صِراعٌ يتَوَجَّبُ أن يقود إلى خلق دولة فلسطينية، بينما ظللتُ غريبا عن كلّ التزام من هذا النوع، على الرغم من أنّ بلدي الأصلي، بلغاريا، كان ما يزال خاضعاً لِنِظَام كنتُ أَعْتَبِرُهُ بَغيضاً-والذي كان، فضلاُ عن ذلك، مفروضاً من الخارج، من قبل الاتحاد السوفياتي، في أدق التقاليد الامبريالية. كانت كلّ فكرة عن النضال ضدّ هذا النظام بالنسبة لي غريبةً: جزئياً، دونما شكّ، لأنّي كنتُ أخشى العواقب على أفراد عائلتي الذين ما زالوا يسكنون البلد؛ جزئياً، أيضاً، لأنّ هذا النظام الذي كان هو بنفسه يَتَمَاثَلُ مع قضية التزام سياسيّ (من أجل الانتصار النهائي للشيوعية) جَعَلَنَا نحن مُرَاهِقِي أوروبا الشرقية، عَنِيدِينَ أمام كل حركة في المجال العمومي. في نفس الآن، أخطأنا فيما يَخُصُّ صلابة وتمَاسُك الحكومة البلغارية، كانت تبدو لنا وكأنها مُقَدَّرَة أن تَظَلّ إلى الأبد، أو في كل الحالات لسنوات طويلة، خصوصا وأنها كانت مدعومةً من قِبَل قُوَّة قصيّة وعصيّة، وهي الاتحاد السوفياتي. لقد كان الكفاح ضدّ النظام يبدو لنا غيرَ مُفيد كما لو أن الأمرَ يتعلق بالتمرد ضدّ المناخ أو ضِدّ تضاريس البلد. هل كانت القضية الفلسطينية تعطي الانطباع بأنها أكثر قابليّة للنجاح؟ لقد بدا لي أنّ التزامَ "إدوارد سعيد" يعثر على تبرير عميق في وضعية فلسطين نفسِهَا أكثر مما يوجد في آمال النجاح. إنّ بلغاريا، وأيّاً كانت طبيعة الحكومة، ستَظَلُّ دائماً في مَكانِهَا. أستطيعُ أن أفترق عن بلدي، وأن أصنعَ حياتي في باريس، وإذاً أن يكون النِّظَامُ (البلغاري) بوليسيّاً فهذا لا يَمَسُّنِي بِصِفَةٍ شخصيّة. أما فلسطين فقد توقَّفَتْ عن الوجود كَكِيان سياسيّ. لَقَدْ أُعْلِنَ أنها "أرضٌ بِلا شعب" لقد تمّ إنكارُ حقّ الفلسطينيين في وُجُودِهِمْ الذاتي، وأصبحوا مَدْعُوِّين إلى أن يُفكِّروا في أنفسهم بطريقة أخرى، كَعَرَبٍ أو كَمُسْلِمين، كَمِصْرِيّين أو لبنانيين. هذا النفيُ بالنسبة لـ"سعيد"، المولود في القدس، يُوازي رَفْضاً للاعتراف بِوُجُودِهِ ومحاولةً لِنَفي وُجُودِهِ الشخصيّ ذاته. كي يعيشَ "إدوارد سعيد" مُهاجِراً في سكينةٍ، مثلي، فإنه في حاجة إلى أن يُعْتَرَفَ بِوُجُود بَلَدِهِ الأصليّ. لا يُمكِنُ للمرء أن يُغَادِرَ بلداً لا وُجُودَ له، بل لا يستطيعُ المرء أن يَتَجَرَّدَ منهُ. ليس الحنينُ إلى العودة إلى البلد هو الذي يُحَرِّكُ انخراط والتزام "سعيد"، فقد أصبح مثقفاً كوسموبوليتيا يُحِسُّ بالراحة في نيويورك أكثر من أي مكان آخَر، المدينة الأكثر كوسموبوليتية في العالَم، ولكن هو التهديدُ المُسَلَّطُ على هويته، التي يُعْلَنُ أنه لا وُجودَ لَهَا، وشُعُورٌ بالظُّلْم التاريخيّ. إنّ مَوقِفَ "إدوارد سعيد" حول هذه القضية الحارقة بَسيطٌ، فهو يُطَالِبُ بِمعاملة الإسرائيليين والفلسطينيين على قدم المساواة. كما أنّ انتماءه العاطفي إلى أحد الطَّرَفَيْن لم يكن يُعْمِيهِ عن حاجات الطَّرَف الآخَر. من الناحية التاريخية يجب الاعتراف وتَأَمُّل خطورة الإبادة التي تَعَرَّضَ لها اليَهودُ، حيث لم نَكُنْ نَجِدُ عند "إدوارد سعيد" أدنى إغواء لنفي هذه الإبادة أو التشكيك فيها. أمَّا مِنَ الناحية القانونية، يتوجب الإقرارُ بِشَرعية دولة إسرائيل والتَوَقُّف عن تجاهل واقع الأشياء، لقد قَبِلَ "إدوارد سعيد"، بطريقته، ودون التفوه بهذا، نقطةَ انطلاق الصهيونية (الحركة). من الناحية السياسية يتوجب إدانة الكفاح المُسَلَّح ضد إسرائيل، وبشكل خاصّ إدانة العمليات الإرهابية ضد المدنيين، ليس لأنها غيرُ فَعَّالة، بله ضارّة ومسيئة بالقضية الفلسطينية، ولكن لأنها من الناحية الأخلاقية وحتى من الناحية الميتافيزيقية غيرُ مقبولة.


kanaan
{{}} مشرف {{}} عدد الرسائل: 533البلد: Yiebnaالوظيفة: Criticتاريخ التسجيل: 12/07/2007
موضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ... السبت أغسطس 18, 2007 8:48 pm
ولكِنَّ نفسَ هذه المتطلبات والمقتضيات يَجِبُ توجيهُهَا إلى الإسرائيليين فيما يخصّ مصيرَ الفلسطينيين، وإنّ هذا الصراع هو الذي كان يُحَرِّكُ جَوْهَرَ طاقة "إدوارد سعيد". يجب في البداية، على المستوى التاريخي، الاعترافَ بِشَكْلٍ رسمي بأشكال العنف التي تعرّض لها الفلسطينيون منذ تأسيس دولة إسرائيل، وهو عنفٌ لا يَجِبُ إنكار خطورته لكونه لَم يَصِلْ إلى مستوى الإبادة (التي تعرّض لها اليهود). كما يتوجب من الناحية القانونية القبولُ بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وفي هذا الصدد تَتَّجِهُ مُيولُ "إدوارد سعيد" الشخصية نحو دولة لادينية ولاإثنية على مجموع الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية؛ ولكنهُ وَعْياً منه بانعدام شعبية هذا الحلّ لدى الأطراف المعنية، فقد قَبِلَ، في بداية الأمر، بِضَرورة إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، وهو ما لَمْ تَنُصَّ عليه، في نظره، اتفاقاتُ "أوسلو". وأخيراً على المستَوى السياسيّ يجب إيقاف إرهاب الدولة الذي تُمَارِسُهُ إسرائيل بشكلٍ يوميّ على السكان المدنيين الفلسطينيين. إنَّ هذا الإلحاح في التحدث عن شَعْبَيْن انطلاقاً من نفس مَعَايير العدالة يُوَلِّدُ لدى "سعيد" حساسيةً تجاه كل الأشياء المشتركة التي تُوجَد في تاريخهما. اكتشَفَ "سعيد" نوعاً من معاداة السامية في القَرْن التاسع عشر يُوَحِّدُ فيما بيْنَ اليهود والعرب في نفس الاحتقار؛ كما اكتشف أنّ الشعبَيْن فُرِضَ عليهما، بطريقة مُشابِهَة، أن يعيشا في الشتات خلال فترةٍ طويلة. لقد كان يرى، أيضاً، مُفَارَقَة مأساوية في التاريخ، حيثُ إنّ الظُّلْمَ الذي تعرّض له اليهودُ جَرَّ الظُّلْمَ الذي يعاني منه الفلسطينيون، "ضحايا الضحايا"، وكِلاهما (أي الظلم الذي تعرّض له اليهود أو الذي تعرّض له الفلسطينيون) ليس مُتَخَيَّلاً. غير أنه للأسف، ليس المرة الأولى، وهنا نستعير تعابير "ليفي-شترواس"، التي يقوم فيها "مُضْطَهَدُون ومَظلومون يَسْتَقِرُّون على أراضٍ مسكونةٍ ومأهولة منذ آلاف السنين من قِبَل شعوب أكثر ضُعْفاً منهم، بِطَرْدِهِم." عليَّ أن أضيف بأنّ "سعيد" نفسَهُ، كان تجسيداً حيّاً لِهَذا القرابة ما بين الشعبَيْن، فقد كان أكبَرُ عددٍ من أصدقائه يهوداً كما أنه بنفسه كان يُجَسِّدُ صورةَ المثقف الفصيح والمُفَوَّه والكوسموبوليتي والمتكلم عدَّةَ لُغَات، كَمَا كان عليه كثيرٌ من أعضاء الشتات اليهودي من قبل. في لقاءٍ أجْرَتْهُ معه الصحيفة الإسرائيلية "هآرتس" سنة 2000، يقول: "أنا آخِرُ مثقف يهوديّ. إنكم لن تَجِدُوا مثقفا آخَرَ. كل مُثقَّفِيكُم اليهودُ أصبحوا بورجوازيين مُحْتَرَمِينَ. من "عاموس عوز" Amos Oz إلى هؤلاء الناس في الولايات المتحدة. إذاً فأنا الأخيرُ. أنا المُرِيدُ الحقيقيُّ الوَحِيدُ لـ"أدورنو" Adorno. بِصِيغةٍ أخرى، "أنا فلسطينيٌّ يهوديٌّ".لقد كُنتُ غريباً عن هذه النقاشات، فَلَمْ أتَتَبَّعْ تفاعلات وارتدادات هذه النقاشات العديدة ولا الالتزامات السّجالية ولا المَوَاقِف الدقيقة. ولكني كُنْتُ أعرف أن "سعيد" كان مُقْتَنِعاً، بِشِدّة، بأنّ حركة سياسيّة وحدها، وليس مجرد تدخل عسكريّ بسيط، يمكن أن تُساعِدَ على إيجادِ حَلٍّ لِمَا أصبَحَ يُسَمَّى بِقَضية الشرق الأوسط. الإنسان المُتَغَرِّبُ ولكن على الرغم من أنّ لهْجَةَ التدخلات السياسية عند "سعيد" صَارِمَةً وجذرية، فقد كانتْ رُوحُ الْتِزَامِهِ تنحُو مَنْحًى معتدلاً، فقد كان يَعْرِفُ بأن الفعل السياسيّ يتَحَدَّدُ بِالتوفيق بين المصالح المُخْتَلِفَة، ولهذا كان يُلِحُّ على حلٍّ وَسَط. إنّ هذا المَوْقِفَ الوسط خَلَقَ له أعداءَ مُتَشَدِّدِينَ من كلا الجانِبَيْن. فالقوميون أو المُعَادون للإمبرياليّة العسكرية من الجانب الفلسطينيّ كانوا يَرَوْن فيه، أحياناً، خائناً للقضيّة وعَدُوّاً يجب التخلص منه لأنه لا يُريدُ أن يَسْتَخْدِمَ شُهْرَتَهُ الكبيرة كَمُثَقَّف لِخِدْمَتِهِم. أما الذين كانوا يُعَبِّرُون عن دعمٍ لامشروط للسياسة الإسرائيلية فقد كانوا يَفْتَرُونَ عليه مِنْ أجل نَزْع المصداقية عَنْ كلامه، فقد كانوا يُرِيدُونَ أن يَظْهَرَ بِمَظهر "مُدَرِّس رُعْبٍ أو إرهاب". إنّ ما كان يُضَايِقُهُم لدى "سعيد"، لَيْسَ هذا التأكيدُ أو ذاك، فنحنُ نعيشُ في مُجْتَمَعَات ليبيرالية حيثُ كُلُّ الآراءِ تَقريباً لها حقُّ المواطنيّة، وإنما وُجُودُهُ الخاصّ، أي وُجُودُ فلسطينيٍّ ما هو بالبائس ولا بالإرهابيّ، والذي لا يُخْتَزَلُ في أيّ مستوى سهل الاستعمال. كان "سعيد"، عَبْرَ طريقته في الحياة، يَدْحَضُ بِفَعالية أكبر من الخطابات الطويلة، الكليشيهاتِ المنتشرَةَ جدا عن الفلسطينيين الذين يُشَكِّلُون تهديداً. الضريبة التي دَفَعَهَا بِسَبب هذا الاعتدال كانت التهديداتُ بالموت التي تَلَقَّاهَا هو وعائلته والحريقُ الذي تعرّض له مكْتَبُهُ في "كولومبيا" والافتراءات والوشايات التي كانت تُوَجَّهُ له بِشكلٍ منتظِمٍ، أو تهديدات، فيها الكثيرُ من المهارة والدهاء، كالرقابة أو المُقَاطَعَة المُنْتَشِرَة التي كان "سعيد" ضَحِيَّةً لها إنْ فِي الولايات المتحدة أو في أوروبا، وأيضاً في فرنسا، حيث تمّ التوقف عن نَشْرِ وإعادة نشر كُتُبِهِ، وأيضاً التوقف عن بثّ البرامج المُكَرَّسَة له. وللحقيقة فالأمرُ لمْ يَكُنْ بِأَحسن حالا في العالَم العربي والإسلامي؛ لأنّ "إدوارد سعيد" كان يضعُ ما يراه صحيحاً أو عادلاً فوق الواجِبَات التي تَنْجُمُ عن التَّضَامُن وعن الولاء. ففي الوقت الذي صَدَرَتْ فيه فتوى بالإعدام، سنة 1989، في حقّ "سلمان رشدي" بسبب روايته التجديفيّة "الآيات الشيطانية"، على حَدِّ ما يُزْعَمُ، لم يتَرَدَّدْ "إدوارد سعيد" في التدخل في المجال العمومي أمام تجمعاتِ مُسلمِين غاضبين، من أجل الدِّفَاع عن حقّ الفنان في البحث عن المعنى وعن الحقيقة بكلّ حرية. وقد ساءت علاقاتُهُ مع الساسة الفلسطينيين ابتداءً من سنة 1993 حين عبّر عن شَجْبِهِ لاتفاقات "أوسلو". لقد ساءت علاقاته مع الساسة الفلسطينيين حينما بدأ ينتقد الفسَادَ والتسلُّطَ اللَّذَيْن يسودان في أوساط السلطة الفلسطينية، إلى درجة أنّ كتابِاتِهِ أصبحتْ ممنوعة عن التداول في فلسطين بعد سنة 1996. لم يَكُنْ "إدوارد سعيد" مُثَقَّفاً طَيِّعاً. لقد كان "سعيد" يستطيعُ أن يَعْتَنِقَ مقولَةَ "جان-جاك روسو" Jean-Jacques Rousseau التي تقول: "إنّ كُلَّ إنسان متحيّزٍ، هو في حدّ ذاته عَدُوٌّ للحقيقة". لقد كان هذا فَهْمَهُ لوظيفة المُثَقَّف، هذه الشخصيّة الموجودة في الحياة العمومية التي سَيُكَرِّسُ لَهَا كُتَيِّباً سنة 1994 تُرْجِمَ إلى الفرنسية تحت عنوان "المثقفون والسلطة". إنّ المُثَقَّفَ، في بداية الأمر، هو مَنْ لا يَكْتَفِي أن يكون المُتَخَصِّصَ في هذا المجال أو ذاك، ولكن من يَتَدَخَّلُ في المجال العموميّ، هو مَنْ يَتَحَدَّث عَن العالَم ويُخَاطِب العالَم (وهو ما يستدعي في البداية أن يتخلى عن كلّ رَطَانَةٍ). بالإضافة إلى ما ذُكِرَ، المُثَقَّفُ هو مَنْ يحافظ على استقلاليته ويتمَسَّك بالبحث الحرّ عن الحقيقة وعن القِيَم التي يكون مستعِدّاً بصفة شخصيّة للدفاع عنها، كل هذا بعيداً عن وَضْع نفسه، بشكل لامشروطٍ، تحتَ تصَرُّف هذِهِ السلطة أو تلك أو هذه القضية أو تلك. أتقَاسَمُ مع "إدوارد سعيد" وجهةَ نَظَرِهِ هذه، في الوقت الذي لا أتفق فيه معه البتة حين يطلبُ من المثقفين أن يكونوا بالضرورة خُصُوماً للإجماع أو التوافُق وللأرثودوكسية، وأنْ يَبْحُثوا عن الهامشية لِذَاتِهَا، وأن يُحَبِّذُوا بشكلٍ دائمٍ مَوْقِفَ التَمَرُّد، لأنَّ هذا المَطْلَبَ يبدو لي مُتَنَاقِضاً مع السابق، إذْ ماذا لَوْ أنّ الرأي العامَّ أو السلطات الحاكمة كانت، من حين لآخَر، على حقّ؟ انطلاقاً من هذه الهامشيّة التي ينادي بها "إدوارد سعيد"، يَنْبَنِي الرابِطُ ما بين المثقفين والمنفيين. إنّ تقدِيرَهُ لِشَرْط المنفيِّ فيه تناقُضٌ، إذ يستطيع "سعيد" أن يكتبَ أنّ "المَنفى هُوَ إحدى المصائر الأكثر كآبة وحُزنا" كما يكتب بأنه يساعد على التأمل إذْ "أنّ المنفى بالنسبة للمثقف حالةٌ من القلق، وهو حركةٌ، تُزَعْزِع الآخرين لكونها مُزَعْزَعَةٌ بشكل دائم." إذا كان المثقف هو مَنْ على استعداد لمساءلة أصناف وُجُودِهِ الذاتيّ، إذاً فإنّ كل مثقف، بطريقة أو بأخرى، هو منفيٌّ لِشَرْطِهِ المولديّ(الولادة). كان ينتابُنِي الشعورُ بأنه كلّما مرّ الزمن، كُلَّما قَدَّرَ إدوارد سعيد" مزايا وضعيةِ المنفيِّ، وضعية "الإنسان المُتَغَرِّب" كما أُسَمِّيهَا؛ إن فكرة الانغلاق داخل هوية إثنية أو قومية كانت بالنسبة له لا تُطَاقُ. لقد جعل "إدوارد سعيد" من ما كان سيكون لعنةً، رسالةً. في سنة 2000 قال لصديقه "دانييل بارونبوام" Daniel Barenboim: "مع مرور الزمن تَوَصَّلتُ إلى اعتبار هذه الفكرة عن البيت تم تقديرها بِشكلٍ مُبَالَغ فيه... إنّ مفهوم "الوطن" لمْ تَعُدْ تَهُمُّنِي كثيراً. إنّ التَّيَهَان هو ما أُفَضِّلُ، حقيقةً." لقد اختار "سعيد" أن لا يكون مالكاً لِسَكَنِه وأن يكتفي باستئجاره. أَلاَ يكون "سعيد " قد وَجَدَ شَبَهَهُ في صورة اليهوديّ التائه؟


kanaan
{{}} مشرف {{}} عدد الرسائل: 533البلد: Yiebnaالوظيفة: Criticتاريخ التسجيل: 12/07/2007
موضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ... السبت أغسطس 18, 2007 8:49 pm
البحث عن الذاتلقد عرفتْ حياة "سعيد" مجرى آخَر سنة 1991، حين اكتَشَفَ إصابَتَهُ بِمَرض عُضال. هذا الاكتشاف المُؤَثِّر الذي أصبح بسببه مَيِّتاً مع وَقْف التنفيذ، تسبب في تغيرات كثيرة. في بداية الأمر تخلّى عن كلّ مسؤولياته السياسيّة، فقد أصبح الزمن، من الآن فصاعداً، بالنسبة له معدوداً، وتَوَجَّبَ أن يُرَكِّزَ ذهنه على ما هو أساسيّ وعلى الأفعال التي كانت في نظَرِه ضروريةً، ومن بينها السفرُ مع عائلته إلى القدس التي لم يَعُدْ إليها منذ 1947-كما لو أنه، إزاء مرضه، كان في حاجة إلى تقوية وُجُودِهِ من خلال إرساء الاستمرارية، ليس فقط من أجله بل من أجل أقربائه. تَوَلَّدَ عن هذا السفر، وفي نفس السنة، مَحْكِيٌّ نُشِرَ في الصحافة البريطانية، وقَدْ ساهم هذا المحكيّ النَّافِذ البصيرة وبسبب من رَنَّتِهِ الشخصية في إحداث أَثَرٍ عَميق عليَّ إلى درَجَة أنني ساهمت، بعد بعض الوقت، في إخراج طبعته الفرنسية في كُرَّاسة بعنوان "ما بين الحرب والسلام" Entre guerre et paix في الوقت الذي كان يُرَكِّزُ فيه حياتَهُ على ما هو أساسيّ، كان "سعيد" بصدد اكتشاف سِجِلٍّ لم يكن قد مارَسَهُ من قبلُ، وهو الكتابةُ الأوتوبيوغرافية. هذا العمل الذي كرّس له وقتاً يمتد ما بين 1994 و1998 سيؤدي إلى كتابٍ لاَفِتٍ، وهو محكيّ عن السنوات الأولى من حياته، "خارج المكان"، والذي صدر في فرنسا تحت عنوان A contre-voice بِمُحَاذاة خطّ السكّة). الاستعادة (استعادة الذكريات) تتوقف عند نهاية دراساته سنة 1963 قبل ولوج "سعيد" إلى حَياة العمل وقبل تيقُّظ اهتمامه السياسيّ بالقضية الفلسطينية. إنَّ "إدوارد سعيد" البالغ هو الذي يكتبُ بأنّ تهديد الموت يُرْغِمُ على إبعاد وإقصاء كلّ استراحة والذهاب إلى أقصى مكان ممكن للبحث عن الحقيقة؛ في هذا الكِتَاب ينجح "سعيد" في إبراز الصورة الأكثر عُمْقاً والأكثر وضوحاً ومعقولية عن كينونته، ينجح ليس فقط في الإمساك بِشَرْطِهِ التاريخيّ كفلسطينيّ منفيٍّ واهتماماته وانشغالاته المهنية بتحليل النصوص، كما هو الحال في كتابه "الاستشراق"، وإنما أيضا في الإمساك بشخصيته العمومية وشَخْصِهِ الخاصّ؛ وهو ما يجعل من هذا الكِتَاب، حَسَبَ عِلْمِي، إحدى الكُتُب الأتوبيوغرافية الأكثر نجاحاً. من بين آلاف الملاحظات والتحليلات، يوجَدُ مَلْمَحٌ من حياة "سعيد" يَفْرِض الانتباه أثناء قراءة الكِتَاب، وهو المكانة التي تحتلها أُمُّه في عقله. لقد وُلِدَ المشروعُ كُلُّهُ، في الحقيقة، من الحاجة التي تَحَمَّلَهَا وكابَدَها المُؤَلِّفُ في توجيه الحديث إلى أُمِّهِ في اليوم التالي من اكتشاف مَرَضِهِ، فبينما كانت والدَتُهُ قد ماتت قبل سنة ونصف، اكتشفَ أنهُ بصدد كتابة رسالة طويلة إليها. لدى قراءة كتاب "خارج المكان"، اكتشفت أنّ جُرْحاً غيرَ قابِل للشِّفَاء يُلَطِّخُ هذه العلاقة الأساسية بالنسبة لـ"سعيد"، اكتشفتُ حُبّاً كان يعيشهُ كما لو أنه لم يكن مُتَبَادَلاً بِشَكل كامل. قلتُ في نفسي إنّ هذا النَّقص، الذي نَشْعُرُ به في السنوات الأولى من حياه "سعيد"، يمكن أن يكون مسؤولا، جزئياً، طول حياته كَرَجُل بَالِغٍ، عن قلقه الدائم وعن نشاطه المُفْعَم وعن عجزه عن العثور على الراحة؛ كُنت أَقِيسُ، عن تضادّ، الحِمَاية التي وَفَّرَهَا لي وَالِدَايَ بإعطائي اليقين الذي لا يتزحزح بِحُبِّهِمَا.إنّ اكتشافَ إصابتنا بِمَرَض لا دواءَ له، وكذلك اكتشاف أنّ الموتَ ليس فقط هو القانون العامّ للعالَم الحيّ وإنما يُعْلِنُ مَصير الفرد في مُسْتَقْبَل قريب نسبياً، يمكن أن يُسَبِّبَ ردود فِعل مختلفة جدا، من الذّعر المحموم إلى الانغلاق الانفرادي. تَتَبَّعَ "سعيد" مَرّة أخرى مساراً آخَرَ، فقد اكتشف "الحاجة إلى في التفكير في الأشياء النهائية". هذا التفكيرُ أخذ شَكْلَ سَفَر إلى أمكنة المَنْشَأ كما اتخذ بصفة خاصة شكلَ مشروعِ كتابة، وهو نشاطٌ مألوف(بالنسبة له) ولكنها، هذه المرة، كتابةٌ بعيدةٌ قدر الإمكان عن حياته الوظيفية والسياسية: إنها ارتيادٌ لِوُجُودِه وكينونته. إنه لا يبحث الآن عن القيام بِتَحليل لِمُؤَلِّفِي الماضي ولا عن نشر أُطْرُوحات تبدو صحيحةً، ولكنه يريد استكشاف هويته الشخصية ويريد الاقترابَ من نفسه؛ وهو ما سمّا "محاولة متأخرة في إعطاء شَكْل محْكِيٍّ لحياةٍ كنتُ قد تَرَكتُهَا لِوَحْدِهَا غير منتَظِمَة ومُشَتَّتَة ومِنْ دون مِحْوَر مركزيٍّ" لقد نَجحَ "إدوارد سعيد" في هذا، ولكن هلْ مِنَ المفروض علينا أن نَدْفَعَ ثمنا باهضاً كهذا للوصول إلى هذا الهدف؟ لمْ يَتَوَقَّفِ المرضُ، والأعراضُ الثانوية المؤْلِمَة تضاعفتْ، واضْطُرَّ "سعيد" إلى قضاء شهور بأكملها تحت العلاج المُكَثَّف. ولكنه بِمُجَرَّد ما كان يخرج من المستشفى كان يُبادِرُ إلى معاودة نشاطاته التي لا تُحْصَى يإيقاع أسرع، وحتى هو بنفسه لم يكن قد عرف مثل هذه الإسراف في الحركة. كان يُرَاكِمُ إلقاء المُحاضَرَات في أقَاصِي الأرض وكذلك المَقَالات الصحفية التي يُعلّق فيها على الأحداث السياسيّة في الشرق الأوسط وفي أمَاكِنَ أخرى، وأيضا اللقاءات المُعَمَّقَة حول ثيمات عزيزة على قلبه (كما هو الشأن في لقائه حول الموسيقى مع "بارونبوام") والدراسات العِلْمِيّة حول ثيمات متنوعة بعضها تمّ تجميعُهُ في كتاب "تأمُّلات حول المنفى"Reflections on Exile؛ وهو كتابٌ حول مستقبل الفلسفة الإنسانية، وهو مفهومٌ كان يريد "سعيد" أن يأخُذَهُ على عاتقه "على الرغم من الرفض المستَخِفّ الذي يَنْصَبّ عليه من قِبَل النُقَّاد المابعد حداثيين المتكلِّفين." سَيَليه كِتَابٌ آخَرُ حول أسلوب المُبْدِعِين في السنوات الأخيرة من حياته؛ ولكنّ هذا الكتاب لم يستطع إكماله. كان "سعيد" يعرف أنَّ وقْتَهُ معدودٌ. فكل يوم يَمُرُّ يجب أن يُعَوِّضَ الأيام والشهور والسنوات والعُقُود التي سيكون محروما منها. لقد كان "إدوارد سعيد" يَسْخَرُ من سيفِ الموت المُسَلَّط عَبْرَ ما كان يَنْضَافُ من الحياة.القَضَايَا الخَاسِرَةُ في مقالٍ يرجِعُ إلى سنواته الأخيرة ، يتأمل "إدوارد سعيد" ما يُسميه "القضايا الخاسرة". كان يعرف مُسْبَقاً بأنه سَيْخِسُر الصراع الذي يَعنيه بِصِفةٍ مباشِرَة، صراعه ضدّ الموت، مثلنا جميعا، لكنه خسره أَسْرَع منا. القضية الفلسطينية كانت قد تراجعتْ، في نَظَرِهِ، ونهايتها بدتْ لهُ أكثر بعدا بالمقارنة مع ما كانَتْهُ قبلَ عشر سنوات. أما الأهواء الإثنية والقومية والدينية التي كان قد أخذَ على عاتقه محاربتها لم تَنِ تَتَفَاقَمُ. ومن وجهة النظر هذه، فإنّ الأحداث التي سبَّبَتْهَا تفجيرات 11 سبتمبر2001 ألحقتْ ضرباتٍ قاسية بِآمَالِهِ في تَحَسُّن العالَم. إنّ ما كان "سعيد" يصبو إلى تحقيقه عبر كِتَاباتِهِ، في كتاب "الاستشراق" أو في غيره، كان هو تدميرُ الكليشيهات والتعميمات المفرطة(المخالفة للأصول)، كـ"الشرقي" و"المسلم" و"العربي". إلاّ أنّ عقلية الحرب التي ارتستْ، (يبدو أنها ستدوم لفترة طويلة بعد التفجيرات)، إنْ في هذا الجزء من العالَم الذي تعود إليه أصول "سعيد" أو في بَلَدِهِ بِالتَبَنِّي، تُشَجِّعُ، على النقيض، المانوية الأوليّة وَوَسْم العَدُوّ دونما تمييز وسجن كلّ فَرْدٍ في فئةٍ محكومٍ عليه، من الآن فصاعدا، أن ينتمي إليها. فمقابل "عرب أشرار" في نظر البعض، نَجِدُ "أمريكيين أشرارا" في نظر البعض الآخر. كما أننا نرى خبراء وأَخِصَّائيين جعلوا من أنفُسِهِم خبراء يتحدثون، بإسهابٍ في الجرائد وفي التلفاز، عن الطَّابَع الذي لا يَتَغَيَّرُ لهؤلاء وأولئك. إن العيوب التي أدَانَهَا "الاستشراق" تضَاعَفَتْ منذ صدور الكِتَاب. بِمَ يمكن للمرء أن يتعلّق ويتشبث حين يكتشف بأنه المُدافِع عن هذا الكمّ من القضايا الخاسِرَة؟ يستشهد "سعيد" بقولة لـ"رومان رولاند" Romain Rolland يعترف بأنه يعثر على نفسه فيها وتتناول"تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة". هل يتوجب الاستمرار في الحركة حيال وضدّ الكلّ على الرغم من تحذيرات العقل؟ يَسْتَدْع "سعيد" أيضاً مقولة لـ"أدورنو" Adorno الذي رَاهَنَ في التحليل الأخير على الكليّة الإنسانية، حيث إنّ الفِكْرَةَ التي تمّ التفكير فيها ذات مرة بِدِقَّةٍ لا يمكن أن تُهْزَمَ حتى وإنْ لَمْ تَقُدْ إلى الانتصار. فهذه الفكرة، بالضرورة، سيَعْثُرُ عليها ويَتَلَقَّفُهَا أُنَاسٌ آخَرون في أمكنة وأزمة أخرى. يختتم "سعيد" بالقول بأنّه إذا كان هذا صحيحاً فلا وُجودَ لقضيّة خاسرةٍ، بِشكلٍ نهائيّ.أَوَدُّ أن أُضِيفَ بأنّ "إدوارد سعيد" فَعَلَ أكثرَ من مجرّد التوصية بقضاياه إلى من يَوَدُّ مواصلة أخذ المِشْعل. لقد جَعَلَ "سعيد" من الطريقة التي عاش بها السنوات الأخيرة من حياته عَملاً أدبياً. ليس لأنه رفضَ قبولَ التوزيعَة الأصلية التي يُوَزِّعُهَا الحظّ على كلّ واحد منا، بل إنّ مَسيرَهُ السابق، على النقيض، قادَهُ إلى رفض القداسة الوجودية التي ترى بأن الإنسان ليس إلاّ منتوج إرادتِهِ واختياراته، وقاده إلى أن يَقْبَلَ نَفْسَهُ كما هو، لأسبابٍ لا تتعلق به إلاّ قليلاً، كونه فلسطينيا منفياً ونيويوركيّاً مَرِحاً ومُدَرِّساً للأدب ومعلّقا سياسيّاً ورجلاً يَشْعُر بالحبّ والغضب. لقد قَبِلَ أيضا مرضَهُ مع كل التحولات التي يَفرضُها عليه، وحتى الانثناءات التي يعطيها هذا المَرَضُ لِعَمَلِهِ الأوتوبيوغرافيّ. لقد كانَ هذا المَرَضُ في معظم الأحيان هو الذي يُقَرِّرُ متى وكيف يستطيع أن يَكْتُبَ. وحتى في استقبالِ ما لا يتَعَلَّقُ بإرادته في وعييه وشعوره، نَجَحَ "سعيد" في الذهاب أَبْعَدَ مِنْ أَنَاهُ (الأنا) السابقة، كما نَجَحَ في الوصول إلى حقيقة كينونتِه والتصريح بها وإلى حَفْر وُجُوده مثل عمل فَنّي. لقد أصبح "سعيد" فرداً كونيّاً، كائناً مُتَفَرِّداً حيثُ مصيرُهُ، الذي قام هو بنفسه بتأويله، يُنادي كُلَّ فَرْدٍ. إننا لا نعرفُ، حين سَتَدُقُّ أجراسُ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا، إذَا كُنَّا سنكون قادِرِينَ على العُثورِ على القِوَى الضرورية كي نفعل مثل ما فَعَلَهُ "إدوارد سعيد". ولكننا نستطيع أن نَسْتَحْضِرَه في أفكارنا، ونفكر في المجهودات والاشتغالات التي قام بها على نفسه والتي كان من نتائجها أنها جَعَلَت العالَم، شيئاً مَا أكثرَ جَمَالاً وأكثرَ ثراءًا فيما يتعلّق بالمعنى. لأجل هذا يَستَحِقُّ"إدوارد سعيد" امْتِنَانَنَا._________________________ (*) فيلسوف بلغاريترجمة: محمد المزديوي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مليكة مقدم، الروائية التي خيبت الثورة الجزائرية تطلعاتها

كيف يمكنُ للمرأة العربية أن تجد الخلاص بالكتابة؟ مليكة مُقدّم تسحر الفرنسيين بكتابها الجديد «رِجالٌ أثَّرُوا فيّ»                                                      ترجمة محمد المزديوي باريس: محمد المزديوي مليكة مقدم روائية جزائرية، من مواليد «قنادسة» سنة 1949، تابعت دراسات الطب في وهران وباريس، قبل أن تستقر وتزاول مهنتها في «مونبوليي» سنة 1985. ثم توقفت عن التطبيب، نهائيا، لتكرس كلّ وقتها وجهدها للكتابة الأدبية. ومن حينه، ألفت العديد من الكتب، من بينها: «قرن الجراد» و«الرجال الذين يمشون» و«ليلة الصدع» و«المتمردة». كتاب مليكة الجديد عنوانه «Mes Hommes» (رِجالٌ أثروا عليّ)، وهو استعادة تقترب من الكتابة الذاتية لوقائع كل الرجال الذين أثروا، سلبا أو إيجابا على الكاتبة وعلى رأسهم، وفي المقدمة، أبوها. هذا الكتاب السردي، الذي صدر في هذا الدخول الأدبي 2005، الذي طغى عليه للأسف الظهور غير الأدبي لرواية «ويلبيك» الأخيرة، ش...

CELINE Ferdinand Louis لويس فرديناند سيلين، كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب!

العدد السبعون     لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب محمـــد المزديــوي - كاتب وقاص من المغرب يقيم في فرنسا 2012-04-17 لويس فيرديناند سيلين كما يتحدث عنه كثيرون من الذين عرفوه عن قرب كَتَب عن كلّ شيء، لكنه لم يؤلف الكتاب الموعود عن زوجته ليست الكتابة عن الكاتب الفرنسي الكبير سيلين بالمسألة الهينة، ليس فقط لأن المرء مدفوع للدفاع عنه إذا كان يحب كتابته، وليس فقط لأنه سيجد نفسه يُدينُه وينتقد كتاباته بل ويجرّمه كما فعل الكثيرون، إذا ما نظر إلى كتاباته القاسية عن اليهود أو إلى ومضاته الساخرة التي لم تستثن أحدا. الكتابة صعبة عنه، أيضا، لأنه عبقري، ولا يمكن للقارئ، تحديدا، وببساطة، البرهنة عليها والإمساك بها. لأن فيها يظْهَرُ تميّز لويس فيرديناند سيلين على من سواه، أي الأسلوب (السيليني)، أو الموسيقى الخفية أو هذه اللعبة التي لا تظهر إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في كل جيل. أو هذا الاشتغال المتفاني البطيء الذي يتطور على مدى خمسمائة سنة. أو هذه الطريقة في كتابة عشرة آلاف صفحة من أجل اختيار 800 صفحة فقط. ...

قصة قصيرة هندية "زوجة من أجل الصاحب" Khushwant Singh

<<زوجة من أجل الصّاحِب>> ولد سنة 1951 ويعتبر اليوم واحدا من أهمّ الكتاب الهنود وأكثرهم مقروئية واحتراما في بلده. وقد اكتسب هذا الكاتب شهرة استثنائية منذ صدور روايته الشهيرة <<الطريق إلى باكستان>> والتي ترجِمَت إلى اللغة العربية. وبالإضافة إلى هذا، فقد ألّف أعمالاً باذخة مِن أهَمها: <<دلهي>> و<<لن أسمع العندليب>>. ويُعتبر هذا الكاتب من المَرَح بمكان، بحيث إنّ كتابته الأتوبيوغرافية تُقرأ على نَفَس واحد. نقرأ له: <<عاشَ أبَواي طويلا. مات أبي في التسعين من عمره، بعد أن شَرِبَ كأس <<سكوتش>>. تبعته أمي بعد ثماني سنوات من وفاته، حين كان عمرها خمسة وتسعين سنة. وقبل أن تدخل في غيبوبة، كانت آخرُ طَلَبَاتِها، وبصوت خافت، بالكاد يُبِينُ، كأس <<سكوتش>>. ناولوها الكأس. شربته ولم تتكلم بعدَهُ أبدا. أتمنى حين يأتي دوري، أن أكون قادراً على رفع كأسي وأن أُفرِغَهُ في جوفي من أجل سفري الطويل(الموت.) كارمـــا نَظَر السّير <<موهان لال>> في مرآة قاعة الانتظار للدرجات الأولى في المحطة. ومن البَدَهِيّ فإنّ هذه ا...